
سامي شرف يكتب: عبد الناصر والقوى الناعمة (1 – 3)
كان الرئيس جمال عبدالناصر رغم مشاغله الكبيرة متابعاً جيداً للحركة الفنية فى مصر وخارجها ، وكان دائماً يأمل أن يرى مصر عاصمة للفن والثقافة فى العالم العربى . فكان يعلم أن مصر تزخر بمبدعيها فى كافة المجالات ، ولأن الرئيس جمال عبدالناصر كان يتمتع بفكر استراتيجى عميق عمل على استغلال كل شئ فى يده من أجل خدمة أهداف مصر الكبرى فى تحقيق حلم الوحدة الكبرى، فكان للفن دور فى ذلك .. فأم كلثوم مثلاً كان يتوحد العرب على صوتها .. واللهجة العامية المصرية انتشرت فى ربوع العالم العربى بفضل الفن المصرى.
كان الرئيس جمال عبدالناصر فى نفس الوقت مؤمناً بأن الفن الصحيح هو الذى يخدم المجتمع ، ويتفق مع عاداته
وقيمه ، ولايخدش الحياء أو الآداب العامة فيه ، بل الذى يرتقى بالسلوك العام ، ويهذبه ويسمو به.
فكان الكتاب مدعوماً ، وكان المسرح مدعوماً مثلما كان رغيف العيش مدعوماً ، وفى الحقيقة فقد مرت علاقة ثورة
يوليو بالسينما والمسرح المصريين فى الفترة من 1952 حتى 1970 بمراحل ثلاثة ـ من وجهة نظرى ـ بدأت بالإرشاد
والترشيد ثم الرعاية والتمويل، ثم مرحلة القطاع العام حيث تولت الدولة شئون الإنتاج والتوزيع ودور العرض .. الخ. وإذا
كانت الآراء والأحكام قد اختلفت فى شأن القطاع العام فإنه يسجل لهذا القطاع العام أنه سمح وهو جزء من النظام الحاكم
بانتقاد النظام والسلطة بشكل سافر ومباشر دون ما إسقاطات كما فى أفلام : « ميرامار» و « القضية 68» و «الناس اللى
جوه» و « وشئ من الخوف» و « الاختيار» و « المتمردون» .. وغيرها . وقد وصل فيلم «ميرامار» إلى الذروة فى
التهكم على الحكم والتنظيم السياسى ، والاتحاد الاشتراكى ، ووصم أعضاءه بالوصولية والانتهازية .. أما « شئ من
الخوف» ، فقد شكك بل يمكن أن نقول إنه طعن فى شرعية الثورة حين رفع شعار «جواز عتريس من فؤاده باطل ..».
لقد كانت هذه الفترة ثرية فى إدارة الصراع بين الكم والكيف ، وما بين السياسات التى قررها الرئيس جمال عبدالناصر
والمؤسسات المعاونة له لينفذها كل من الدكتور ثروت عكاشة والدكتور محمد عبدالقادر حاتم . ففى عهد ثروت عكاشة
كانت السياسة العامة للدولة تتميز بتنفيذ استراتيجية طويلة المدى تعتمد على التأصيل والتخطيط العلمى ، وبين مرحلة
أخرى تولى تنفيذها عبدالقادر حاتم قامت ـ لظروف سياسية واجتماعية معينة ـ على أساس التوسع والانتشار الأفقى « كتاب
كل ست ساعات» و « مسرحية جديدة كل يوم».. والتوسع فى عدد المسارح التابعة للقطاع العام والتليفزيون. ثم اقتضت
الظروف والتطورات بعد ذلك لعودة تلك السياسة التى اعتمدت على التأصيل.
أفاض زمن عبدالناصر بإبداعات عمالقة فى كافة المجالات ؛ ففى مجال الفن كان هناك من أمثال أم كلثوم ( فاطمة
إبراهيم البغدادى) ومحمد عبدالوهاب ( محمد عبدالوهاب محمد أبو عيسى حجر) ، وعبدالحليم حافظ ، ومحمد قنديل ،
وكارم محمود ، وعبدالعزيز محمود ، ومحمود شكوكو ، ومحمد رشدى ، ومحمد عبدالمطلب ، وكمال الطويل ، والموجى،
ومحمد فوزى ، وسعاد محمد ، ونجاح سلام وصباح ، وعفيفة إسكندر ، وليلى مراد ، وفايزة أحمد ، ونور الهدى ، وفهد
بلان ، وأحمد الحفناوى ، وعلى إسماعيل ، وأحمد فؤاد حسن ، ورياض السنباطى ، ومحمود الشريف ، ومحمد القصبجى ،
وبليغ حمدى، وسيد مكاوى ، وصلاح جاهين ، وفايدة كامل ، ونجاة الصغيرة ، وعفاف راضى التى قال عنها الرئيس
عبدالناصر أنها ستكون فيروز مصر ، وحتى فريد الأطرش حاول أن يدلى بدلوه فى هذه الحقبة ولم يتردد، وغيرهم كثيرين
مما يقتضى أن يبحثه ويسجله الباحثون والمتخصصون.
2
و لنُسمّ الأمور بأسمائها؛ فإنى أعلنها صريحة واضحة فى هذا المجال ، وما دمنا أقسمنا أن نقول الحق فإن
عبدالناصر، وعبدالناصر فقط ، هو الذى فكّر واقترح وقرر استحداث ما يلى على وجه التحديد بخلاف الإنجازات الأخرى
لكبيرة المعروفة ، وقد آثرت وقصدت أن أذكر الإنجازات التالية بالذات ؛ لأن البعض يتشدق ويتباهى بأنه هو الذى
استحدثها ، وإذا ادعى البعض بخلاف ما سأقول فإنى لدى من المعلومات والوثائق ما سيدحض ويخرس أى إدعاء يغاير ما
أقرره هنا :
إذاعة القرآن الكريم ، وأن يقتصر دورها على إذاعة القرآن الكريم فقط.
إذاعة أم كلثوم.
إنشاء معهد البالية والكونسرفاتوار.
إذاعة صوت العرب.
إذاعة البرنامج الثانى ليذيع روائع الفن العالمى من أعمال فنية وموسيقية وأدبية الخ.
إذاعة الشرق الأوسط بشكلها وطابعها الخفيف السريع.
إدخال التليفزيون فى مصر وسوريا أيضاً ( وكان ذلك في إطار الوحدة الاندماجية بين البلدين ) فى بداية
الستينيات رغم الصعوبات الفنية والسياسية التى أبديت فى ذلك الحين للحيلولة دون تنفيذ هذا الهدف ..
إصدار كتاب كل 24 ساعة ثم كل 6 ساعات ، على أن يكون سعره قروشاً قليلة فى متناول أى شخص.
إنشاء وكالة أنباء الشرق الأوسط.
إنشاء مصلحة الاستعلامات .
إصدار قانون تطوير الأزهر ـ ( 103 لسنة 1961) ـ ليصبح الدعاة متخصصين فى مختلف مناحى الحياة
اليومية كأطباء ومهندسين ومحاسبين الخ بالإضافة إلى الدراسة الأساسية فى علوم الفقه والتفسير الخ .
وعلاوة على هذا أصر على ضرورة انتساب البنات لكليات الأزهر الشريف ، وذلك حتى يتم تخريج الأم
المسلمة الصالحة ، أم الأجيال التى ستتولى الأمور فى مصر مستقبلاً.
أعود إلى سياق الحديث بعد هذه الجملة الاعتراضية الطويلة نسبياً فأقول : أما بالنسبة للفن والمسرح المصرى فقد كان
عبد الناصر كثير الاهتمام والمتابعة لكل إنتاج وعروض فرقة رضا وفرقة الفنون الشعبية والمسرح القومى ، وهى
المؤسسات التى قام بتشجيعها ودعمها بكل الإمكانيات عن طريق وزارة الثقافة وأجهزتها وكان يحُبَّذُ بعد قيام معاهد
الكونسرفاتوار والباليه أن ترقى فنون الغناء بكافة أنواعه وأشكاله خاصة الكلاسيكية منها باعتبارها المدخل الصحيح للذوق
الرفيع والتذوق الراقى لباقى أنواع الفنون الأخرى .
وللحديث بقية…
* سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات / ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق
2
