أخبار مصر

محمود محيي الدين يكتب عن خرافة السفينة الواحدة

شاع فى بدايات أزمة «كورونا» أن الجائحة قد ساوت بين الناس فى تعرضهم لمخاطرها، وأن موبقاتها التى اجتاحت العالم لم تفرق بين أغنى الدول وأفقرها، فعطلت الحياة فى أكثر المدن ثراء وأشد القرى فقرا، وانتشرت مقولة بأن الإعصار قد طال ركاب سفينة العالم من دون تمييز، وعلى الرغم مما فى هذه المقولة من تهافت لتجاهلها حقائق التفاوت بين الناس من حيث الدخول والثروات والفرص والإمكانيات، فإنها انتشرت انتشار الوباء نفسه.
وتكمن خطورة مثل هذه المقولات المرسلة، متباينة البواعث والأغراض والنيات، فى أن يتلقفها البعض فيوجهون بها سياسات وموارد فى غير وجهتها الواجبة، كما حدث من قبل فى أزمات سابقة تسللت، فى ظل الارتباك والصدمة، بمقولات مماثلة بعواقب وخيمة الآثار، وليست الأزمة المالية العالمية عنا ببعيد؛ حيث استفاد من حزم الإنقاذ الممولة من دافعى الضرائب أو بديون تحملها عموم الناس، مؤسسات مالية وشركات كان بعضها شريكا فى صنع الأزمة بين جشع وتلاعب، فاختصمت من موازنات الدول مخصصات كان الأولى بها أن توجه إلى التعليم والرعاية الصحية ونظم الضمان الاجتماعى ومشروعات البنية الأساسية.
وللتذكرة، فإن أزمة الجائحة قد جاءت على عالم يعانى من هشاشة فى اقتصاده، وأزمة ثقة سياسية بين أطرافه، وتوتر جيوسياسى وصراعات وحروب شهدها بعض أقاليمه من خلال حروب الوكالة وبتأجيج الفتن العنصرية والطائفية. كما تجاهل بعض قادة هذا العالم الأخطار المهددة لبقائه بتدهور مقومات المناخ والبيئة، غاضين الطرف عن شواهد وأدلة علمية عن أثر هذا كله على الحياة بشح المياه ونقصان الغذاء، ومدى صمود المدن الساحلية خصوصا فى الدول النامية بارتفاع مستويات البحار والمحيطات، ناهيك باندثار جزر بأكملها.
ويبدو أن مروجى مقولة السفينة الواحدة تناسوا أن 26 شخصا فقط يستحوذون على نصف ثروات سكان العالم، وأن أكثر من ثلثى سكان العالم يعيشون فى اقتصادات تزايدت فيها مؤشرات عدم العدالة فى توزيع الدخل، وأن المؤشرات متعددة الأبعاد للفقر وفرص التنمية ازدادت سوءا عند الأخذ فى الاعتبار عناصر الجنس واللون والنوع الاجتماعى والأصول الاجتماعية والانتماء العرقى. وفى حين يجدر النظر إيجابيا إلى ما يمكن أن تُحدثه تكنولوجيا المعلومات من وثبات نوعية فى حياة البشر من حيث التعلم واكتساب المهارات والمنافسة فى الأسواق، فإن غياب خدمات الإنترنت عن 40% من البشر، والافتقار إلى النوعية فائقة السرعة عن نسبة أكبر، ينذر بتكريس وجه جديد من عدم العدالة بالحرمان من اكتساب المعارف وخدمات الشمول المالى والتجارة الإلكترونية والعمل.
وقد غاب عن أنصار مقولة السفينة الواحدة أنه من الإرشادات الصحية المتفق عليها للوقاية من الوباء هى غسل الأيدى والتباعد الاجتماعى، ولكن أنَى للمحرومين من المياه النقية البالغ عددهم 2.2 مليار إنسان الالتزام بهذه التوصية، وضعف عددهم محروم من خدمات المرافق الصحية ودورات المياه، وهم إنْ مرضوا سيواجَهون بحقيقة أن 25% من مراكز الرعاية الصحية المكدسة المخصصة لهم تفتقر إلى خدمات المياه الأساسية، وتلكم الأرقام مذكورة بتقارير صادرة قبيل الأزمة عن الأمم المتحدة و«يونيسيف» ومنظمة الصحة العالمية؟
ولا أحسب أصحاب مقولة السفينة الواحدة على دراية بأن أرقام من يعانون الفقر المدقع قد زادت لأول مرة منذ عام 1998 بمائة مليون إنسان دفعة واحدة، وفقا لتقرير صادر عن البنك الدولى. ولعلهم لم يطلعوا على التقارير المتوالية الصادرة عن منظمة العمل الدولية التى حددت خسارة سوق العمل ما يقترب من 500 مليون عامل فقدوا وظائفهم فى القطاعات الرسمية المسجلة وأضعاف هذا الرقم فى القطاع غير الرسمى.
ربما ضل أصحاب شعار السفينة الواحدة وهم يرون الناس فى أمواج هائجة لعاصفة الجائحة فحسبوا أن لا فرق هناك بين ركاب سفن متينة الأركان، وأصحاب يخوت فاخرة سريعة المراوغة، وجموع من عموم الناس تتكدس فى مراكب تميد بهم، وآخرين يتعلقون بحطام خشية الغرق.
حذر من هذا الالتباس وتداعياته الأمين العام للأمم المتحدة فى كلمته بمناسبة ذكرى الزعيم الإفريقى مانديلا فى شهر يوليو (تموز) الماضى، داعيا إلى التعاون من أجل تخفيف وطأة آثار الجائحة على الأكثر تضررا. هؤلاء الذين ستستمر معاناتهم من أزمة «كورونا» اقتصاديا حتى بعد احتوائها المنشود صحيا بافتراض توفير لقاح ناجع تصنيعا وتوزيعا، بعد اعتماده رسميا، بما يحتاج إليه ذلك من تجسير فجوة تمويل تبلغ 34 مليار دولار لآلية تديرها منظمة الصحة العالمية التى تتابع تطوير 9 أنواع من اللقاحات الواعدة.
لا ينبغى أن تضل بنا خرافات السفينة الواحدة عما يعانيه عموم الناس من تهديد لحياتهم ولأسباب معيشتهم، خصوصا مع استمرار لركود اقتصادى مصاحَب بتزايد احتمالات أزمة مالية، لن تمنعها مسكنات تسويف إرجاء أقساط الديون، رغم أهميتها فى الأجَل القصير الذى لا يحتمل مزيدا من الآلام بتوجيه الموارد المحدودة للدول لسداد أقساط دائنين يتحملون الانتظار إلى حين. ولكن المسيرة المطلوبة لسداد الديون يعوقها تراجع النمو وزيادة البطالة واستمرار عدادات احتساب الفوائد المتراكمة على المتعثرين فى ظل تجاوز المديونية العالمية رقم 300 تريليون لهذا العام، ارتفاعا من 285 تريليونا فى ربعه الأول مع انكماش فى الاقتصاد الدولى بمقدار 5%، بما يجعل التخلف عن سداد الديون أكثر احتمالا لدول عالية المديونية، وشركات متعثرة، فضلا عن الأفراد من القطاع العائلى الذى توسع فى اقتراضه أيضا.
فى هذه الأثناء، ستتراجع المساعدات الإنمائية الدولية. فحتى إذا افترضنا أن الدول المانحة للمساعدات ستحافظ على نسبة المساعدات المقدمة لدخولها كما كانت فى العام الماضى، فانخفاض دخولها بسبب الجائحة سيترتب عليه تخفيض هذه المساعدات بنحو 8% عن العام الماضى بما يقترب من 14 مليار دولار.
وفى الوقت الذى تنخفض فيه الاستثمارات الأجنبية بمقدار 40% وتحويلات العاملين بالخارج بنحو 20% عن العام الماضى، تستمر مهزلة تدفق الأموال غير المشروعة من الدول النامية بلا أى اعتبار لقانون محلى أو دولى، أو مواثيق مانعة لتهريب الأموال وغسلها أو اكتراث بأسس أخلاقية باستمرار فاحش فى نهب الأموال باستخدام ألاعيب محاسبية فى التهرب الضريبى والجمركى بما قدرته منظمة «الأنكتاد»، فى تقريرها الصادر الأسبوع الماضى، بنحو 90 مليار دولار سنويا فى حالة أفريقيا وحدها تكفى لتغطية نصف احتياجات القارة لتمويل أهداف التنمية المستدامة، بما فى ذلك احتياجات التعليم والصحة والبنية الأساسية، من مواردها الأصيلة.
إن دعاوى أصحاب مقولة السفينة الواحدة، وزعمهم عما سببه الوباء من ديمقراطية فى انتشار المرض ومساواة فى مواجهة مخاطره، لا تباريها فى ترويج الخرافات إلا الادعاءات بالاتفاق العام على حتمية العمل على العودة إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية، كشف الوباء عن مدى تعاستها، لما كانت عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *