أخبار مصر

متخصصون وباحثون يناقشون أزمة تلوث الهواء وأثرهاعلى الصحة العامة في ندوة بالجامعة الأمريكية

درغامي : ثُلث تلوث الهواء في مصر ناتج عن قطاع النقل .. ونحتاج قوانين تحد من نسبة الكبريت في السولار
يونس : وفقاً لـ«جرين بيتس» بلغت التكلفة الاقتصادية لتلوث الهواء في مصر خلال 2018 مبلغ 6 مليار و900 مليون دولار أمريكي بما يعادل 2.8% من الناتج المحلي
طبيب صدرية: قوانين الحد من تلوث الهواء موجودة وتحتاج إلى تفعيل .. ولا توجد إحصائيات رسمية عن معدلات المرضى والوفيات نتيجة التلوث
نظمت وحدة أبحاث القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية، الأربعاء الماضي، ندوة تفاعلية عبر منصة زووم الرقمية بعنوان «تلوث الهواء: هل من مخرج تشريعي يحفظ الصحة العامة؟»، وذلك في ضوء البيانات السنوية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية حول جودة الهواء المحيط، والذي أعلنت فيه أن القاهرة هي أكثر المدن ارتفاعاً في نسب تلوث الهواء عالمياً.
وبدأت الندوة بمداخلة للباحث أحمد درغامي، خبير الطاقة والبيئة بمركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري)، والذي قال إن الغالبية العظمى من المهتمين بالتحدث عن تلوث الهواء في مصر عادة ما يرجعون أسباب المشكلة إلى الظاهرة التي تشهدها مصر خلال فترة الخريف من كل عام والمرتبطة بحرق قش الأرز، مؤكد أنه على الرغم من أن هذه الظاهرة تمثل سبباً من أسباب تلوث الهواء بالفعل، إلا أنها في إندثار منذ فترة بفعل تطوير طرق التعامل مع قش الأزر من ناحية من خلال تطوير المنظومة التي تستخدمه، وبفعل قرارات الحكومة بتقليص مساحات الأراضي المخصصة لزراعة الأرز والتي قللت بشكل كبير من ظاهرة الحرق.
واستطرد درغامي أن مشكلة تلوث الهواء في مصر لها أسباب أوسع وأشمل من ظاهرة حرق قش الأرز، على اعتبار أنه لا يمكن ربطها بفترة زمنية معينة وهي فترة الخريف، لأن مصر تعاني من مشكلة تلوث الهواء طوال العام كله، مؤكداً أن الأحصائيات تشير إلى أن أكثر من ثُلث تلوث الهواء في مصر ناتج عن قطاع النقل، ويرجع ذلك إلى أن المواد البتزولية المستخدمة في تزويد وسائل النقل في مصر لها مواصفات خاصة على المستوى العالمي تساهم في تفاقم الازمة، فمنتج السولار على سبيل المثال في مصر يحتوي على نسبة عالية من الكبريت لا تسمح بوضع فلاتر في المركبات الثقيلة.
وأشار درغامي إلى أن أول تحدي مرتبط بتقليل آثار ظاهرة تلوث الهواء في مصر مرتبطة بالعمل على تنقية منتج السولار تحديداً وتقليص نسبة الكبريت فيه والتي تزيد عن نظيراتها في منتجات السولار في العالم بواقع 2500 جزء في المليون، مقارنة بـ 50 جزء في المليون بالنسبة لمنتجات السولار في الاتحاد الأوروبي ومعظم دول العالم، لافتاً إلى أن بعض الدراسات أرجعت زيادة تلك النسبة في مصر إلى قدم منظومة تكرير البترول بالبلاد، حيث يرجع تاريخ إنشاء بعض معامل التكرير العاملة بمصر إلى عام 1913، ومن ثم فإنها تنتج مواد بترولية ذات مواصفات متأخرة تفاقم من أزمة تلوث الهواء.
وشدد درغامي إلى أننا في مصر نحتاج كأولوية أولى لحل هذه المشكلة إقرار تشريعات تفرض مواصفات آمنة لوقود السولار قياساً بنسب الكبريت العالمية في المنتج، معدداَ من أضرار الاستمرار في استخدام منتجات السولار الموجودة حالياً في مصر سواء على صحة المواطنين أو البيئة بشكل عام، بالإضافة إلى أثرها السيئ على المعالم السياحية، لافتاً إلى أن أحد أسباب نقل تمثل رمسيس من منطقة الميدان بوسط القاهرة، هو توصل الدراسات إلى تأثر جسم التمثال على المدى الزمني من نسب الكبريت الناتجة عن عوادم وقود السيارات في مصر.
وعقب ذلك انتقلت الكلمة إلى محمد يونس، الباحث بملف العدالة البيئية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والذي خصص مداخلته للحديث عن العبء الصحي لأزمة تلوث الهواء في مصر، بالإضافة إلى عبء التكلفة الاقتصادية للمشكلة في ضوء تقرير أصدرته المبادرة مؤخراً بعنوان «تلوث الهواء عبء صحي متزايد على المصريين» والذي أورد تقدير لتكلفة تلوث الهواء في مصر عام 2013 بنسبة 3.05% من الناتج المحلي السنوي وفقاً لتقرير أصدره البنك الدولي.
وحول العبء الصحي للأزمة، عرض يونس إحصائيات صادرة عن معهد القياسات والتقييم الصحي في واشنطن، حول مساهمة تلوث الهواء الخارجي في إجمالي الوفيات في مصر عام 2017، موضحاً أن تلوث الهواء كان السبب وراء أكثر من 12 % من إجمالي الوفيات في مصر عام 2017، لافتاً في الوقت نفسه إلى أنه ووفقاً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية فإن أعداد الوفيات المبكرة بسبب تلوث الهواء المحيط في عام 2016 بلغت 67 ألف و434 حالة، على النحور الذي يمكن من خلاله استنتاج أنه يضيع حوالي عامين من عمر كل مواطن مصري بسبب الاعتلال أو الإعاقة الصحية جراء تلوث الهواء.
أما عن العبء الاقتصادي لأزمة تلوث الهواء، فقال يونس إنه وفقاً لتقديرات البنك الدولي فقد وصلت التكلفة الصحية لعبء تلوث الهواء في مصر خلال عام 2002 فقط إلى 2.1% من الناتج الإجمالي القومي، بما يعادل 6 مليار و400 مليون جنيهاً مصرياً، مؤكداً أن تلوث الهواء كان المساهم الأكبر في متوسط كلفة التدهور البيئي التي بلغت 4.8% من الناتج المحلي، وهي نسبة عالية وتقدر بضعفي أرقام الدول الصناعية وفقاً لتقرير البنك الدولي.
وأضاف يونس أن البنك الدولي أورد في تقرير آخر أصدره عام 2016 أن تكلفة عبء تلوث الهواء في مصر بلغت عام 2013 حوالي 3.58% من إجمالي الناتج المحلي السنوي بما يعادي 31 مليارو 545 مليون جنيهاً، مشيراً إلى أنه وفقاً لتقديرات البنك الدولي أيضاً الصادرة في عام 2019 وصلت تكلفة المرض والوفيات المبكرة الناجمة عن تلوث الهواء المحيط (خارج المنزل) في القاهرة الكبرى في 2016/2017 إلى نحو 47 مليار جنيهاَ أي ما يعادل 1.35% من إجمالي الناتج المحلي.
كما أشار يونس إلى تقرير أخر صادر عن منظمة «جرين بيس» عام 2020 قدّر التكلفة السنوية المنسوبة لتلوث الهواء الناجم عن «الوقود الأحفوري» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العام 2018، وتصدرت مصر القائمة بتكلفة متوسطة تصل إلى 6 مليار و900 مليون دولار أمريكي بما يعادل 2.8% من الناتج المحلي.
وفي الأخير تضمنت الندوة مداخلة من الدكتور إبراهيم نوفل، أخصائي الأمراض الصدرية وإدارة المستشفيات بوزارة الصحة، حول معدلات نسب الإصابة بالأمراض الصدرية والوفيات نتيجة لتلوث الهواء من واقع عمله، حيث أكد أنه وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية فإنه من بين أكثر 10 أمراض مسببة للوفاة في العالم، 4 أمراض مرتبطة الجهاز التنفسي وهي السدة الرئوية المزمنة، والالتهابات الرئوية، أورام الرئة والحلق والبلعوم، وأخيراً مرض الدرن، ومن هنا يظهر مدى التأثير لمشكلة تلوث الهواء على صحة أي إنسان على كوكب الأرض.
وأوضح نوفل أنه على الرغم من تصنيف القاهرة المدينة الأكثر تلوثاً على مستوى العالم عام 2018 وفقاً لمجلة فوربس، إلا أن لا توجد أي بيانات أو معدلات صادرة عن وزارة الصحة أو أي جهة رسمية توضح أعداد المرضى أو الوفيات الناتجة عن تلوث الهواء.
وأشار نوفل إلى أنه سبق وأن أعد رصداً من واقع عمله كطبيب بقسم الاستقبال بمستشفى صدر العباسية، لحالات أورام الصدر التي وردت إلى المستشفى على مدار ستة أشهر فكانت النتيجة أن المستشفى استبقل خلال هذه الفترة 40 حالة أورام جديدة، موضحاً أن هذه الأرقام لا يمكن تعميمها على الجميع ، إلا أن الطاقم الطبي بالمستشفى كان لديه علم مسبق بالمنطق بأن أي حالة قادمة للمستشفى من منطقتي شبرا وحلوان يشتكي من وجود مياه بالرئة أو وجود عتامة على الرئة فهي بنسبة أكثر من 90% تعاني من أورام الرئة من قبل أخذ العينة وتحليها، مؤكداً أن هذا الأمر لم يكن مقتصراً على المدخنين بل إنه كان ممتد لغير المدخنين.
وبرر نوفل ارتباط تلك النتيجة بسكان منطقتي شبرا وحلوان على وجه التحديد باعتبارها الموطن لمصانع شديدة التلويث للبيئة مثل مصانع الأسمنت والأسبستوس وأشياء أخرى.
وعلى صعيد إيجاد حلول لهذه المشكلة أوضح نوفل، أن الدولة مطالبة بإعادة النظر في التوسع في إنشاء مصانع الأسمنت على وجه التحديد، في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم إلى التخلي عن هذه الصناعات والتوسع بصورة أكبر في إنشاء المصانع الأقل أثراً على التلوث البيئي.
وأكد نوفل أن مصر تمتلك بنية تشريعية قوية تمكنها من مواجهة تلوث الهواء كقانون البيئة وتعديلاته التي تحدد نسب معين لانبعاثات الغازات في الحدود التي لا تتسبب في تلوث الهواء، وقانون منع التدخين في الأماكن العامة، إلا أن الأزمة في مصر مرتبة بعدم تطبيق هذه القوانين بالشكل الكافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *