
ملتقى الفكر الإسلامي: البر طاعة وإحسان لله ولا يناله العبد إلا برضا الله ورضوانه
أكد المشاركون في ملتقى الفكر الإسلامي أن البر طاعة وإحسان لله ولا يناله العبد إلا برضا الله ورضوانه وإحسانه، وهو اسم جامع للخير كله، ومنهج حياة إنسانية فاضلة، وأن البر خلق الأنبياء وسبب من أسباب توفيق الله لعباده.
جاء ذلك في الحلقة الخامسة والعشرين لملتقى الفكر الإسلامي الذي ينظمه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية تحت رعاية وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة، في إطار التعاون والتنسيق بين وزارة الأوقاف والهيئة الوطنية للإعلام؛ لنشر الفكر الإسلامي الصحيح، ومواجهة الفكر المتطرف ، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، تحت عنوان: “البر” ، حاضر فيها كل من: الدكتور هاني تمام أستاذ الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر، والدكتور عمرو الكمار مدير أكاديمية الأوقاف الدولية.
وفي كلمته.. أكد الدكتور هاني تمام أن مفهوم “البرِّ” في المنهج القرآني مفهومٌ كبير، وحقيقةٌ واسعة تسع بشموليَّتها كينونةَ الإنسان، وتعاليمَ الشريعة، وهو منهجُ حياة إنسانيَّة فاضلة، تربط الإنسان “البارَّ” بروابطَ دقيقةٍ وعميقةٍ بكل كائنات الوجود، وأشيائه، وأحداثه، فلا جرمَ أنَّنا عندما نتحدث عن “مفهوم البِرِّ في القرآن”، فكأننا نتحدث عن مفهوم الإسلام، فالبر اسم جامع للخير كله فيشمل الإيمان والتقوى والطاعة والصدق والوفاء فهو خير الدنيا والآخرة معا، فخير الدنيا ما يسره الله للعبد من الهدى والنعمة والخيرات، وخير الآخرة الفوز بالمغفرة والرحمة والنعيم في والجنان، مشيرًا إلى أن الغرض من بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) هو تمام الأخلاق، قال (صلى الله عليه وسلم): “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ”، والبر طاعة وإحسان لله ولا يناله العبد إلا برضا الله ورضوانه وإحسانه ، قال تعالى :”ومن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ”.
وقال تمام إن البر زيادة في العمر، وبركة في العمل، وكثرة في النسل، ومحبة في الناس، وسعة في الرزق، وسبب في حسن الخاتمة، موضحًا أن أعلى خصال البر صلاح النية واتباع السنة ، يقول الله تعالى : “بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”، ويقول تعالى: “فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون”، مبينًا أن من أعظم خصال البر بعد الإخلاص والسنة وأصول الإيمان وأركان الإسلام بر الوالدين بطاعتهما في غير معصية الله والإحسان إليهما ابتغاء وجه الله وحسن الأدب معهما والدعاء لهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي توصل إلى برهما قال تعالى : “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا”، مستشهدًا َبرجلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ جاء للنبي (صلى الله عليه وسلم): فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: “نَعَمْ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وفي رِوَايَةٍ: الدُّعَاءُ لَهُمَا وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا”.
وأوضح أن الخلق السيئ يفسد الطاعات والأعمال، بل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) نفي كمال الإيمان عن الجار الذي يؤذي جاره ، قال (صلى الله عليه وسلم): “واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ قالوا وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ قال جارٌ لا يؤمنُ جارُهُ بوائقَهُ قالوا يا رسولَ اللهِ وما بوائقُهُ قال شرُّهُ”، مختتمًا حديثه أن رمضان شهر البر والصلة ومن الصلة :صلة الأرحام والإحسان إلى المساكين والأيتام، حسن الجوار لأهل الإسلام، ومن له ذمة من الأنام بكف الأذى وطلاقة الوجه عند اللقاء، وإفشاء السلام، وطيب الكلام، وإطعام الطعام، وعيادة المريض وغير ذلك من أعمال البر التي تظهر عظمة الإسلام وسماحته وإحسانه.
وفي كلمته.. أكد الدكتور عمرو الكمار أن “البر” صفة إنسانية عظيمة، وأهل هذه الصفة في المجتمع ينتفعون وينفعون، ويَسعدون، ويُسعدون، فهم كالغيث حيثما وقع نفع، وكالنور الذي يبدد الظلمات، ونفوسُ أهلها بذلك الخير على عمومه: نفوسٌ صافية نقية، لا يشوبها الكدر، وقلوبهم مَجمَع المقاصد الحسنة، والإرادات الطيبة، وألسنتهم منطلق الألفاظ العذبة التي تروي ظمأَ السامعين، وتنفعهم في أمر الدنيا والدين، مشيرًا إلى أن البر من أسمى الغايات، وأنبل المقاصد يحرص الإنسان به على فعل الخير، ويسارع إليه، وبهذا تسمو إنسانيته، ويتشبه بالملائكة، ويتخلق بأخلاق الأنبياء والصديقين، لذلك أوصى الإسلام الحنيف الإنسان أن يفعل الخير مع الناس، بغض النظر عن معتقداتهم وأعراقهم، قال تعالى : “فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، مستشهدا بقول الله تعالى:” لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”.
وأضاف الكمار أن هذه الآية الكريمة من الآيات الجوامع في القرآن الكريم، إنَّها آية تترجم حقيقة هذا الدين الذي جاء به الرسول الكريم (صلَّى الله عليه وسلَّم) بأنَّ هذا الدين هو منهج للحياة الإنسانيَّة كما أرادها الخالق – عزَّ وجلَّ – وأنَّ هذا الدين هو منظومة متكاملة متناسقة، سواء في أنساقها المعرفيَّة والعقديَّة، أم في مفاهيمها الأخلاقيَّة والقِيَمِيَّة، أم في نظمها التنظيميَّة والتشريعيَّة، أم في فاعليَّتها التاريخيَّة والحضاريَّة، مبينًا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سأله معبد (رضي الله عنه) قالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، فَقَالَ: “جِئْتَ تَسأَلُ عَنِ الْبِرِّ؟ “قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: “اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْب، وَالإِثْمُ مَا حاكَ في النَّفْسِ وَتَردَّدَ في الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النّاسُ وَأَفْتَوْكَ”، وقال(صلى الله عليه وسلم): “إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم) : “إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربَكم منِّي في الآخرةِ محاسِنُكم أخلاقًا وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم منِّي في الآخرةِ أسوَؤُكم أخلاقًا الثَّرثارون المُتفيهِقون المتشدِّقون” ، فهذا يدل على أنَّ حُسن الخلق والبر من أسباب توفيق الله للعبد، وكونه مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الجنة، وأن سُوء الخلق وعدم البر من أسباب البُعد عن الله، وعن رسوله، وعن الخير وأهله، مختتمًا حديثه أن من الواجب على المؤمن أن يُجاهد نفسَه حتى يبتعد عن الغلظة والشدة وسُوء الخلق، وحتى يكون طيب الخلق، حسن الخلق، لين الجانب ، يقول (صلى الله عليه وسلم) : “وما زادَ اللَّهُ رجلًا بعفوٍ إلَّا عزًّا ، وما تواضعَ أحدٌ للَّهِ إلَّا رفعَهُ اللَّهُ” ، وقال تعالى :”فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ”، فالمؤمن يُجاهد نفسه في حُسن الخلق مع أهل بيته: زوجته وأولاده، ومع جيرانه، مع مجتمعه، والناس أجمعين.
