
دروسٌ من مدرسة الحياة.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
عجيبةٌ هي الحياة؛ ترفعنا بأحلامنا الباذخة إلى عنان السماء، ثم ما تلبث أن تهوي بنا إلى قاع الواقع المرير!
هي مدرسة عظيمة خرّجت الملايين، ولم يستطع أحد أن يحيط بسرّها إحاطةً كاملة. فكل عبقري تخرّج فيها لم يملك إلا أن يُبدي رأيه من زاوية تجربته، ومن خلال عدسة ما عايشه من أحداث.
وقد مررت بتجارب حفرت في وجداني يقينًا لا يتزحزح، أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن يجعل الله معتمده، فلن يضام.
في عام 2003، كنت حديث عهد بالزواج، وقد تقدّمت لوظيفة في إحدى المؤسسات التعليمية بالمملكة العربية السعودية ضمن الكادر الإداري بدرجة الماجستير. أنهيت الإجراءات من مقابلات وتوقيع عقود، وبقي الكشف الطبي وتحليل فيروس سي. قصدت معامل وزارة الصحة بالقاهرة لتسلّم النتيجة، فنادتني الموظفة المختصة، وبعد أن قلّبت الكروت أمامها، نظرت إليّ بحزن وقالت: “ربنا يعوّضك خيرًا”.
استغرقت لحظات لأستوعب ما حدث… كانت النتيجة إيجابية!
خرجت من المكان تائهًا لا أرى شيئًا أمامي، تملؤني الحيرة ويعتصرني الخوف. تهاوت على عقلي كل السيناريوهات السوداوية، لا سيما ما يتعلق بالجنين الذي لم يكتمل نموه بعد في رحم أمه. دمعة حارقة سقطت، ثم تداركت نفسي بالاستغفار، وحمدت الله على فضله.
كانت صدمة على مستوى الأسرة بأكملها. لكن… مرّت سنة حصلت فيها على درجة الدكتوراه، وأخرى التحقت فيها بالجامعة، وفي العام الذي تلاها بدأت رحلة العلاج. وخلالها سافرت أستاذًا زائرًا إلى جامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان، وأكملت هناك ثلاثة أشهر من العلاج الذي حملته معي. ثم جاءت نتائج التحاليل سلبية، والحمد لله والمنّة.
وكان أول درسٍ كبير في حياتي: “اجعل اعتمادك على الله وحده”.
بعد رحلة عُمان، وفي عام 2012، جلست مع زوجتي نُناقش أمر الحج، وقد رأينا أنه بات واجبًا علينا، غير أنني أخبرتها باستحالة السفر إلى المملكة العربية السعودية، لأن جسدي لا يزال يحمل أجسامًا مضادة.
فقرّرنا الادّخار من الراتب شهريًا للحج.
لكن لم يكد العام يوشك على الانتهاء حتى كنّا ضمن حجاج بيت الله الحرام!
كيف حدث ذلك؟
قدّمت أوراقي للعمل بجامعة طيبة، متوقعًا أن تعيق الأجسام المضادة إتمام التعاقد. ومع ذلك أكملت جميع الإجراءات، وعندما تسلّمت نتيجة التحاليل وقدّمتها للملحقية السعودية بالقاهرة، تم رفض التعاقد.
فبادرت بالتواصل مع الأستاذ الدكتور محمود عابدين، وصديقي الأستاذ الدكتور محمود علي السيد – وكانا يعملان بالجامعة ذاتها – فرفعا أمري إلى عميد الكلية -الدكتور نياف الجابري، الذي صار لاحقًا أعز صديق خرجت به من رحلة سفري- فقد تدخل وتواصل مع إدارة الجامعة، وطُلب من الملحق الثقافي السعودي استثنائي من هذا القيد.
كنت حينها جالسًا في بهو الملحقية، فجاءني أحد الموظفين يطلب مني الحضور لإتمام إجراءات السفر. وهكذا كانت رحلة العمر إلى المدينة المنورة.
وهنا تعلّمت الدرس الثاني “أنت بخيرٍ ما دُمت تنوي الخير”.
وبعد عام، أبدت زوجتي رغبتها في أن نُرزق بولد يُؤانس شقيقاته الثلاث، على حد قولها. فقلت لها: “ومن يضمن أن يكون ذكرًا؟ فلنرضَ بما قسم الله.” فقالت: “لديّ إحساس بذلك.”
أقدمت على الأمر، لا رغبةً مني فقط، بل استجابة لشريكة العمر، التي لها حقّ الاختيار مثلي تمامًا، ولا يصح أن أكون أنانيًا في قرار مشترك كهذا.
فكان أن رزقنا الله بـ أحمد.
فتعلّمت الدرس الثالث: “اجبر غيرك، يجبُرك الله”
وبين هذه الدروس العِظام، دروسٌ أخرى لا تُحصى، كلها تدور في فلكٍ واحد: اجعل اعتمادك على الله، وكن معه في الرخاء يكن معك في الشدّة، وردّد دائمًا هذا الدعاء “اللهم دبّر لي، فإنّي لا أُحسن التدبير”.