
طاقة نور (1) كُن موسَويّ اليقين بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
يرتبط الإيمان ارتباطًا طرديًا باليقين؛ فكلّما زاد اليقين بالله، زاد الإيمان، ومعه تطمئن القلوب وتستقر الأرواح، إذ يصبح التسليم المطلق بأن كلّ الأمور بيد الله، هو المنهج الذي ترتكز عليه الحياة.
وكان نبيّ الله موسى -عليه السلام-، أنموذجًا خالدًا في هذا المقام؛ إذ قامت حياته منذ بدايتها إلى نهايتها على اليقين الثابت بالله عز وجل. ولعلّ هذا اليقين تشرّبه منذ نعومة أظفاره، بل لعلّه استقاه مع حليب أمه، تلك المرأة المؤمنة التي بلغ يقينها أن ألقت برضيعها في اليمّ امتثالًا لأمر الله، دون تردد أو جزع: { وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }؛ فجاءها الجزاء {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } لتكون أمه هي مرضعته في قصر فرعون!
ويشبّ الغلام، ويكبر في قلبه معنى اليقين، وتأتي لحظة اختبار حين يقع الخلاف بين رجل من بني إسرائيل وآخر مصري، فيدفع موسى المصري: {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} فيغدو متهمًا، ويخرج من مصر فارًا، لا يحمل شيئًا إلا دعاء اليقين: { رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }.
ويصل إلى مدين، ويقصّ حكايته على شعيب النبي -عليه السلام-، فيجيبه بكلماتٍ هي ذاتها استجابة السماء لدعائه: { لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
ثم يعود موسى إلى مصر محمّلاً برسالة النبوّة، ويقف في وجه الطغيان. ويقول له فرعون:
– {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا}
فيرد عليه بيقن قاطع لا يقبل المداهنة أو اللين:
– { وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}.
وتصل ذروة اليقين في مشهد البحر، حين تُغلق الأرض، وتبدو النجاة مستحيلة، فيقول قومه:
{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}
فيجيبهم نبيّ اليقين:
{كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}
ويأمره الله:
{فَاضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ}
فيضرب دون تردد، فينشقّ البحر بلا فاصل بين الأمر والتنفيذ:
{فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}
إنّ في يقين موسى مدرسةً إيمانيةً خالدة، تعلّمنا كيف نُسلِّم أمرنا لله، ونوقن أن ما عنده خيرٌ مما نرجوه، وأن تدبيره أعظم من تصوّراتنا.
فإذا ألمّت بك شدة، أو ضاق بك طريق، فكن موسويّ اليقين، وقل كما قال: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.