
طاقة نور (2) الثانوية العامة وكليات القمة والقاع.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
أيام وتُعلن نتيجة الثانوية العامة، لتبدأ معها حالة الزخم المعتادة، ويصبح الحديث عن “كليات القمة” و”كليات القاع” الشغل الشاغل لكثير من الأسر.
ومن البداية لابد من التأكيد على أنه من الجميل أن يمتلك الإنسان طموحًا عاليًا، وأن يسعى لتحقيق التفوق والمنافسة الشريفة، فهذا ينعكس إيجابيًا على الفرد والمجتمع، ويفتح أبواب الأمل أمام أحلام مشروعة.
وكل الأباء والأمهات يتوقون إلى رؤية أولادهم في مستوى أفضل من مستواهم. ولما كان أبناء الطبقة الفقيرة والطبقة المتوسطة -تلك التي ذابت كثيرًا ولم يبق منها إلا قشرة هشة- يطمحون في حراك اجتماعي مشروع ينقل أولادهم من طبقتهم إلى الطبقة الأعلى، فإنهم لا سبيل لهم إلا التعليم. ومن هنا كانت أحلامهم السامية في ما أُطلق عليه “كليات القمة”.
لكن الملفت أن كثيرًا من الآباء يدفعون أبناءهم لهذه الوجهة بغية تحقيق أحلامهم هم، وكأن الأبناء لا يملكون القدرة على تقرير مصيرهم أو معرفة ما يناسب قدراتهم وميولهم.
أتذكّر أن والدي كان يتمنى أن أكون طبيبًا، وكنت أجلس على مقعد الدراسة في الصف الثالث الإعدادي بجانب زميلي رمضان، الذي اختار بعد الإعدادية القسم الأدبي، بينما تقدّمت أنا للقسم العلمي. وحين قررت لاحقًا التحويل إلى الأدبي، أخبرني الموظف المختص أن باب التحويل أُغلق، إلا في حالة تبادل مع طالب آخر يرغب بالتحويل إلى العلمي. وهكذا كان زميلي رمضان، فتبادلنا أماكننا بكل ود، وتوافقنا كما “وافق شنّ طبقة”.
هو الآن الأستاذ الدكتور رمضان يوسف رمضان أبو شهبة -أستاذ طب الأسنان جامعة الأزهر- والعبد الفقير أستاذ بكلية التربية!
ربما لو مضيت في حلم أبي لكنت طبيبًا ناجحًا، لكنني كنت سأعيش حياة رتيبة تخلو من الشغف، لأنني كنت سأعيش حلم غيري لا حلمي.
إن سوق العمل يتغير بسرعة، وما نراه اليوم حاجة مُلحّة قد يصبح غدًا أقل أهمية، لذا دعوا أبناءكم ينسجون أحلامهم بأنفسهم، وجّهُوهم وساندوهم، وامنحوهم أدوات العصر: العلم، واللغة، والتقنية.
افرحوا بنجاح أبنائكم، ولا تُعلقوا كثيرًا على مسميات القمة والقاع، إلا إن كان ذلك من صميم أحلامهم. وإن خانتهم الدرجات، فابحثوا لهم عن البدائل المناسبة في التعليم الأهلي أو الخاص إن استطعتم.
وتذكروا دائمًا أن القمة الحقيقية تكمن في رفعة الأخلاق، وجميل السجايا. ولأن يعمل المرء في مجال يحبه ويحقق نجاحًا متوسطًا، خير له من أن يكون مبهرًا في مجال فُرض عليه.
دعواتي لأبنائنا وبناتنا جميعًا أن يكتب الله لهم الخير والتوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة.