
طاقة نور (5) تسليع البشر في العالم الرأسمالي الجديد بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
في وقت القيلولة، وبينما أحاول اقتناص غفوة قصيرة، تركت هاتفي على غير عادتي مفتوحًا، إذ كنت أترقب قدوم ضيف يلزمني أن أرسل إليه المصعد عند وصوله.
ما إن أغمضت عيني، حتى قطع رنين الهاتف هدوء اللحظة، وإذ برقم غير مسجل يتصل. كانت موظفة من إحدى شركات الاتصالات تسألني عن سبب إلغاء خط الهاتف الأرضي. شرحت لها أنني انتقلت إلى سكن جديد، واشتركت بخط آخر.
لم تمضِ دقائق حتى جاء اتصال ثانٍ من موظفة أخرى، تسأل عن الأمر نفسه. ثم ثالثة، فرابع…
في أقل من ساعة، تحوّل هاتفي إلى مركز استجواب متنقل!
استسلمت للنوم أخيرًا، لأفاجأ بعد قليل باتصال جديد. ما إن أجبت، حتى قلت بملل معتذر: “أيوه …، أنا لغيت الخط لأني نقلت وسجلت خط جديد……”
لتردّ المتصلة، وقد بدا في صوتها بعض الدهشة: “يا فندم، أنا مش من …”
ارتبكت، فظننتها إحدى طالبات الدراسات العليا، لكنها قالت بهدوء: “أنا من شركة …”.
فقلت بامتعاض تلقائي: “يييييه! يا بنتي أزعجتوني”.
فردّت باستكانة: “يا فندم، أنا بشتغل شغلي”
كررتُ لها ذات الجواب الذي أصبحت أحفظه كما تُحفظ الأناشيد. ثم توالت الاتصالات على مدى يومين، بعضهم كنت أجيب عليه إن لم أكن مشغولًا، وآخرون يلحّون بالاتصال أربع مرات متتالية، وكأن بيننا موعدًا فوّتُّه عمدًا!
الكل يسأل عن سبب الإلغاء، ويعرض عروضًا “مغرية” للعودة، كأنهم يتسابقون على فريسة لا على زبون!
في هذا العالم الرأسمالي، لم يعد المستهلك يختار ما يحتاجه، بل يُدفع دفعًا نحو استهلاك ما لا يحتاج، والتعلّق بما لا يملك، والانبهار بما صُنع خصيصًا له ليشتريه لا ليستفيد منه.
أصبح الإنسان مجرّد هدف في لعبة السوق، تتصارع عليه الشركات لا لتكسبه إنسانًا، بل لتستنزفه مستهلكًا.
شركات تلهث خلف الأرباح، بلا وعي أو احترام، تُطارد العميل في كل وقت، وفي كل حال، بلا اعتبار لخصوصيته أو وقته، وكأن شعارهـا الضمني: “نحن نستهلكك… قبل أن تستهلكنا!”
تحت سطوة هذا المنطق، لم يعد البشر يُعامَلون ككائنات عاقلة، بل كسلع متاحة للعرض والتسويق والاستهداف تسليع حقيقي، جعل منهم أدوات في ماكينة لا تهدأ، تُفرغ الإنسان من ذاته، وتملؤه بالقلق والرغبة واللاجدوى.
هكذا تُبرر الغاية الوسيلة، كما كتب “ماكيافيلي” منذ أكثر من نصف قرن، لكن ما لم يقله هو: أن الإنسان في هذا العصر لم يعد صانع القرار، بل سلعة تُدار بالقرار.