مقالات

طاقة نور(6) الناس تغيّروا… ونحن منهم! بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

دائمًا ما أسمع في أكثر من لقاء، وفي أغلب الأحاديث: “الناس لم يعودوا كما كانوا!”
تُقال بنبرة أسف، وكأن الناس هم الآخرون، ولسنا نحن! وكأننا لم نكن يومًا من هذا النسيج!
فالقريب صار “عقربًا”، والصديق الوفي غدا نادرًا كندرة الغول والعنقاء والخلّ الوفي.

اختلفت الطباع، وتبدّلت السلوكيات، حتى أن عين الأعمش لا تنكر ذلك، فكيف بالسليم؟!

كنتَ ترى قبل سنوات:
رجل يركن سيارته، فينبرِي له مارٌّ في الشارع قائلاً: “تعالَ… ارجع… حاسب!”
وآخر يسأل عن مكان ما فيأخذه من يده حتى يوصله، أو يرشده بدقة.
وإن وقع شجار في الطريق، تدافَع الناس لفضّه وإخماد شرّه.
أما اليوم، فلا أحد يعبأ بك ولا بسيارتك، وإذا سألت شابًا عن طريق، لا يكلف نفسه حتى التفكير.

ومن يمرّ على خصام، بدل أن يتدخل، يخرج هاتفه ويوثّق الحدث كأنه مشهد سينمائي!

فإذا كنا نحن من يساعد هذا وذاك، فنحن هم هم من لا يعبأ بالآخرين.
في رحلة قصيرة لم تتجاوز ساعتين، حملني صديقي بسيارته من أمام بيتي، رن هاتفه، فأجاب: “نحن عند المكان الفلاني، دقائق ونكون عندك!”
في حين بيننا وبين ذلك المكان مسافة، فقلت له: “لماذا قلت ذلك؟”، فردّ مبتسمًا: “يا سيدي!”

وأمام محل تجاري وقفتُ قليلًا، فمرّ شاب على درّاجته النارية، يصخب منها صوت غنائي هادر،
يفرد ذراعيه وكأنه يحتضن الحياة، يغمره شعور صاخب بالسعادة!
لم تكد تختفي ضوضاؤه حتى دخلتُ على تاجر -صديق لصديقي- فإذا به يلعن العاملين معه،
يقول إنهم يسرقونه، وإنه لم يعد يثق بأحد.

وفي طريق العودة، اتصل بي صديق آخر كنت على موعد معه. تأخرتُ عليه بسبب التاجر وعامله الكسول.

سألني: “أينك؟” فقلت له -بعكس طبيعتي- “دقائق وأكون عندك!”
ابتسم صديقي، وقال ساخرًا: “يا عزيزي… كلنا في الهوا سوا!”
من سيارة صديقي الأول لصديقي الثاني، كان ثالثنا مهندسًا يحكي كيف أن طبيبًا كبيرًا كان يهندس لأبنه وضع السماعات في أذنيه تمهيدًا للغش في الثانوية العامة!

وفي ختام الرحلة، وعند باب العمارة، أخذ صديقي يحدّثني عن هذا المبنى، وكيف بناه مع شركائه يوم كانت تسودهم روح المحبة والتعاون، فربحوا أضعاف ما كانوا يتوقعون.

ابتسمتُ، وقلت له: “يا صديقي… الناس تغيّروا”
لكن… فلنكن صرحاء.
نعم، الناس تغيّروا، لكننا نحن أيضًا تغيّرنا.
إن قصّر القريب، فنحن أيضًا نُلام.
وإن ندر الصديق الوفي، فقد قلّ عندنا الوفاء.

نحن سائقو “التوكتوك” الذين تضجّ بهم الشوارع سلوكًا وفوضى.
ونحن المعلمون الذين نُخلص في “السنتر” ونتكاسل في المدرسة.
نحن الأطباء الذين يتاجرون بمرضاهم لدى المختبرات ومراكز الأشعة.
نحن المهندسون الذين يغضّون الطرف عن مواصفات جودة المبنى.
ونحن أساتذة الجامعة الذين هجَروا أخلاقيات المهنة.
نحن التجار الذين يقسمون كذبًا على الخسارة.

ونحن الفلاحون الذين يخلطون الماء باللبن.
ونحن الآباء الذين يوجّهون أبناءهم للغش في الامتحانات!
نحن هؤلاء جميعًا؛ الطالب والأستاذ، المريض والطبيب، المشتري والبائع، الأبناء والأباء…. الناس هم الناس، ما تغيّر هو سلم القيم، هذا الذي تبدلت عتباته، فأصبح الربح المؤسس على النهش والكبش هو السائد، والمصلحة الفردية هي البوصلة التي تحكم توجهات الكثير؛ فغابت المرحمة، والرضا، والسماحة. حيث أحدث المنطق الرأسمالي تدميرًا لوجدان البشر، فصار منسوبه يرتفع وينخفض وفق المصالح العائدة على الفرد.

عن الزهري عن عروة قال: سمعت عائشة -رضي الله عنها- تقول: قال لبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم*** وبقيت في نسل كجلد الأجرب
قالت: فكيف لو أدرك لبيد قومًا نحن بين ظهرانيهم؟
قال الزهري: وكيف لو أدركت عائشة من نحن بين ظهرانيهم اليوم؟
وأقول: كيف لو أدرك الزهري أناسًا يعيشون معنا اليوم!؟