مقالات

طاقة نور (7) عن الأسماء بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

بينما كنت أنظر إلى كتب ودفاتر ابنى لاحظت أنه يكتب الاسم ثلاثي هكذا “أحمد زكريا محمد” ولم التفت أو يأتي على خاطري لفت انتباهه إلى أن يكمل اسمه، فظننت أنه من قبيل الاعتزاز بالجد، الذي أحاول أن أربطه بذكراه دومًا.

وفي أمسية ليل كاشف؛ طلب مني أن اتواصل مع إحدى المكتبات لتصميم وشاح لإحدى مناسبات المدرسة، أعطاني الرقم، وبينما أن أتواصل مع المصمم كتبت الاسم هكذا “أحمد زكريا هيبة” فقال لا “أحمد زكريا محمد” فقلت لنفسي: يبدو أن ثمرة التأكيد على ذكرى الجد ترسخت فيه، فقلت لا بأس؛ ليكن “أحمد زكريا محمد هيبة”، فقال لا، “أحمد زكريا محمد” فقط!
لمَ؟ لابد من استكمال اسمك باللقب.

قال لا، لا أريد ذكر “هيبة” في الاسم
كيف؟! وما الداعي؟ كلمة “هيبة” تحمل معنى جميلًا.
لكنه كان مصرًا على رأيه! فقد قال إن الأساتذة أحيانًا ينطقونه “هِبه” بالمؤنث؛ مما يجعل بعض زملائه يتنمرون عليه.

فقلت: سأنفذ لك ما تريد، ثم أرسلت للمصمم الاسم كما طلبه، مسقطًا منه لقب العائلة، وقلت له: هل استرحت هكذا؟ تعالَ نبحث في المعجم عن لفظة “هَيْبَة”، انظر ماذا تعني؛ مَظْهَر يُوحي بالوَقار، إِجْلال ومَخافة.
وقتها وفقط استشعر معنى حديثي.

في دنيا الأسماء والأقاب، يتعمد البعض إسقاط الأب من اسمه إما لأنه لا يريد العيش في جلباب أبيه، أو لأنه يحمل له ذكريات مؤلمة. من الأول الدكتور جلال أمين، فوالده المفكر الكبير الدكتور أحمد أمين، لكنه كان يكتفى بأن يعرّف نفسه “جلال أمين”؛ لتأكيد هويته الفكرية المستقلة.

وأيضًا هناك زياد الرحباني، نجل الموسيقي المشهور عاصي الرحباني.

ومن الثاني الممثل المعروف “هشام صالح سليم”، فقد كان يحرص على أن يظهر اسمه “هشام سليم”؛ عامدًا إسقاط والده “صالح سليم”؛ وكان مرجع ذلك تلك الشدة المفرطة في تربية الوالد تجاه ولده. وهناك الروائي المغربي الشهير “محمد شكري” الذي أسقط والده “المفضل” عن عمد؛ وقد قال عن نفسه: “لكي أصبح أبًا لابن عليّ أن أتزوج. لقد عزفت عن الزواج لأني أخشى أن أمارس على ولدي نفس التسلط والقهر اللذين مورسا عليّ. لهذا أنا أخشى أن يكون لي مولود.. فأنا لا أثق في نفسي”.

وقضية الأسماء والألقاب قد تخرج إلى دائرة المعرّة، وبالتالي التنصل منها. والعجيب؛ أن يحدث هذا الصنيع من مثقف واعٍ!

يقول الدكتور جلال أمين، نجل المؤرخ والمفكر العظيم أحمد أمين: عندما كاد ينقضي عام على وفاة أبي، فكرنا أنا وبعض الإخوة أن نصدر كتابًا بهذه المناسبة، نجمع فيه ما كتب من مقالات في رثاء أبي؛ تخليدًا لذكراه، خاصة وأن معظمها كان بأقلام مرموقة مثل: طه حسين، والعقاد، وأحمد حسن الزيات، والسنهوري… إلخ وكان من بينها مقال من أفضل هذه المقالات للدكتور أحمد ذكي -مدير جامعة القاهرة، ورئيس تحرير مجلة العربي الكويتية بعد ذلك- وكان وثيق الصلة بوالدي، وأثناء قيامنا بإعداد المقالات للنشر في كتاب، لاحظ أحد الأخوة عبارة وردت في مقال د. زكي عن اسمه بالكامل، وجاء في نهاية لقبه “الطبّاخ” وكان أخي حافظ خطب ويزمع الزواج، وظن بعضنا أن ورود لقب “الطباخ” في نهاية اسم أبي يمكن أن يسئ إلى حافظ بأي صورة من الصور، أو يسئ ظن أسرة خطيبته بأسرتنا، فوقع الأمر عليّ أن أتصل تليفونيًا بالدكتور أحمد زكي أرجوه حذف كلمة الطبّاخ من الاسم، وقمت بالفعل بالاتصال بالدكتور أحمد زكي.

أذكر جيدًا كيف صُعق الرجل عندما عرف سبب المكالمة، ولا بد أنه صُعق أكثر عندما ذكرت له دافعي إليها وهو قرب زواج أخ من إخوتي، إذ ما دخل الزواج بما إذا كان جد من جدودي طباخًا أو نجارًا، أذكر أن الرجل بدا أولًا وكأنه غير مصدق لما يسمع، ثم لما تأكد منه وفهمه قال لي بحزن: “إنه كان يظن أن أحمد أمين قد ربى أولاد على نحو أفضل من هذا”. ثم أضاف بحزن أيضًا: “أن لنا أن نفعل ما نشاء، وأن نحذف من الكلام ما نريد حذفه”.
سألت كاتبه من الكويت الكاتب الجميل محمد مستجاب: لماذا كان اسمك مستجاب؟

فأجاب: لماذا لا يكون اسمي “مستجاب” وما العيب في ذلك؟ اسم صافٍ رائق، لا أثر لحيوان أو شيطان أو عصافير أو مادة أو خشب أو شجرة أو غيوم أو أوحال أو أية أدران أخرى، اسم جميل لشخص جميل ذي سريرة جميلة وأسارير جميلة.