مقالات

النسيان المتعمد.. بقلم / عادل رستم

النسيان سمة إنسانية، قد يكون غفرانًا للآلام أو تخفيفًا من ثِقل الذكريات. لكن أخطر ما يمكن أن نعيشه هو النسيان المتعمد، حين يتحول إلى وسيلة للهروب من المسؤولية، أو إلى ذريعة للتنصل من حقوق الآخرين.

هناك من يزعم أنه نسي، بينما الحقيقة أنه اختار أن يتناسى. هؤلاء لا يسقطون الحقوق من ذاكرتهم لأن الذاكرة ضعفت، بل لأنهم قرروا عمدًا وضعها في خانة الإهمال. وكأن الضمير لديهم قابل للمساومة، يعقد صفقات مع المصلحة، ويستبدل الوفاء بالتجاهل. وهناك أمثلة من الحياة
دين لم يُردّ: كم من صديق اقترض مالًا وقت الشدة، فلما انفرجت أحواله، ادعى النسيان! لم ينسَ في حقيقة الأمر، لكنه اختار أن يدفن الدين في مقابر ذاكرته، متجاهلًا أن صاحب الحق ما زال ينتظر.

جميل لم يُقدّر: كم من أيادٍ امتدت بالمساعدة في وقت ضيق، ومع ذلك، حين جاء وقت رد الجميل، تنكر البعض وقالوا: “لا أتذكر أنك ساعدتني يومًا”. أهو نسيان حقًا؟ أم جحود متعمد؟

عهود ووعود: في العلاقات الإنسانية، نرى من يتعهدون بالالتزام والوفاء، لكن حين تتغير المصالح، يعلنون أن الذاكرة لم تسعفهم بتلك الوعود.

والحقيقة أنهم لم يفقدوا ذاكرتهم، بل فقدوا إرادتهم في الوفاء.

الذاكرة قد تخون أحيانًا، لكن الضمير الحي لا ينسى. من يتعمد أن يضع حقوق الآخرين في طيّ النسيان، إنما يمارس خيانة مزدوجة: خيانة للآخر، وخيانة لنفسه. لأن من يتجاهل الحقوق اليوم سيجد نفسه غدًا في موقع المطالبة، وسيذوق ذات المرارة التي صنعها بيديه.

التاريخ شاهد على أن الحقوق لا تضيع بالتقادم، حتى وإن تناساها البعض. قد تسقط من حساباتهم، لكنها تبقى محفوظة في سجل الزمن. وكم من قصص وروايات بل حتى مواقف يومية تثبت أن الحق يعود لصاحبه ولو بعد حين، وأن ما يتعمد البعض نسيانه، يتكفل القدر بتذكيرهم به.

النسيان المتعمد ليس نسيانًا بريئًا، بل هو إلغاء مقصود، ومراوغة بغطاء واهٍ. إن من يتعمد أن يتناسى حقوق الناس، لا يعاني من ضعف ذاكرة، بل من ضعف ضمير. والضمير حين يضعف، تضعف معه كل القيم.

فلتكن ذاكرتنا، قبل أن تحفظ أسماءنا وصورنا، قادرة على حفظ العهود والحقوق. لأن الحياة لا تسامح كثيرًا، والناس قد تصبر، لكن الزمن لا ينسى.