مقالات

هل تذكرني؟! بقلم / عزيز الغالي

من الظواهر التي تثير ضيقي وتستفزني في آنٍ واحد، أن تقابل أحدهم بعد غياب سنوات طويلة – قد تمتد لعقود – فإذا به يقترب منك بثقة وابتسامة غامضة، ثم يفاجئك بالسؤال “الرخم”:

“إنت مش عارفني؟… إنت مش فاكرني؟”
يا عزيزي، لماذا هذا الامتحان المباغت؟ ولماذا تتركني أغوص في متاهات الذاكرة وأرشف بقايا الصور القديمة لأبحث عن ملامحك التي غيّرتها السنون؟!

ملامح لم تعد كما كانت
الزمن لا يمر مرور الكرام على الوجوه. الشعر الذي كان أسود كثيفًا أصبح أبيض، أو غادر الرأس وترك مكانه للصلع. الأسنان تفرقت أو تساقط معظمها، والتجاعيد زحفت على الجبهة والخدين وكأنها توقيع لا يمحوه أحد.
ثم تأتي لتضعني في موقف حرج، وتطالبني أن أتعرف عليك في ثوانٍ، بينما حتى المرآة أحيانًا تخوننا نحن أنفسنا فلا نتعرف على وجوهنا بسهولة!

لعبة “اختبر ذاكرتك”
ما المبرر لهذا الامتحان المفاجئ؟ هل المطلوب أن أثبت أنني ما زلت أحتفظ بذاكرة خارقة؟ أم أنك تستمتع بلعب دور “الفزورة” وتتركني أتخبط بين الاحتمالات؟

الحياة لم تعد تحتمل مثل هذه الألعاب. نحن في عصر السرعة، لا وقت لدينا لفوازير الذاكرة ولا للغوص في كتالوج الصور القديمة.

في الدول المتقدمة
حين يلتقي الناس بعد سنوات، أو حتى لأول مرة، يمد أحدهم يده ويقول بوضوح:
“أنا فلان الفلاني… تشرفت بلقائك”.

انتهى الأمر. لا مجال للتكلف ولا لاختبارات عصبية. التعريف بالنفس جزء من ثقافة احترام الآخر، وتقدير لحقه في أن لا يُحرج أو يُتَّهم بالزهايمر.

نعم، الذكريات جميلة، لكن الزمن تغيّر ونحن تغيّرنا معه. بعض الوجوه التي حفظناها في شبابها لم تعد كما كانت، وبعض الأصوات التي كنا نسمعها لم تعد بنفس النبرة. أن تطلب مني أن أستخرجك من أرشيف الذاكرة فورًا، فهذا ظلم.

أصعب ما في الأمر أنك أحيانًا لا تتذكر فعلًا. تظل تبحث وتفكر، ثم تبتسم ابتسامة باهتة تخفي وراءها الحرج، فتزداد المأساة حين يصر الآخر على مواصلة الاختبار:
“إزاي مش فاكرني؟ أنا اللي كنت كذا وكذا…!”
وهنا تكتشف أن كل محاولاتك للبحث في “الهارد ديسك” الذهني قد فشلت، وأنك في مأزق اجتماعي بلا مخرج.
الحياة أبسط من ذلك بكثير. إذا قابلت شخصًا قديمًا، عرّف بنفسك مباشرة، أعد رسم الجسر بينكما من جديد، لا تضعه في امتحان قاسٍ لا ذنب له فيه.
نحن نعيش في زمن تتسارع فيه الأحداث حتى أننا بالكاد نحفظ أسماء من نراهم كل يوم، فكيف نتوقع أن تبقى كل الوجوه القديمة محفوظة دون تغيير؟
لذلك أقولها بصدق وبشيء من السخرية أرحمونا… يرحمكم الله.