
اقرأ الحادثة تسويق الجريمة.. من الصحافة الورقية إلى الفضاء الرقمي
مقال كتبه / الإعلامي عادل رستم
في طفولتنا، كنا نسمع ذلك النداء الشهير يصدح في شوارع مصر: “اقرأ الحادثة”. لم يكن مجرد شعار عابر بل كان وسيلة تسويقية بارعة لجذب القراء إلى شراء الصحف خاصة تلك التي تفرد مساحات واسعة لعالم الجريمةمنها كبريات الصحف المصرية مثل الأهرام والأخبار والجمهورية خصصت صفحات كاملة لعرض تفاصيل الجرائم مدعومة بالصور والتحليلات حتى أصبح لهذا النوع من المحتوى جمهور واسع يبحث عنه بشغف. بل إن بعض الكُتّاب اتجهوا عمدًا لتضمين الجرائم في أعمالهم الأدبية، في ظاهرة بدت وكأنها تسويق للجريمة ذاتها تحت مسمى التوثيق أو التشويق.
لكن ما الذي يجعل الجريمة سلعة إعلامية رابحة؟
الإجابة تكمن في الطبيعة البشرية. الفضول والرغبة في كسر الملل، والحاجة إلى الإحساس بالأمان من خلال معرفة الخطر كلها دوافع تدفع القارئ لمتابعة مثل هذه الأخبار. الجريمة تحمل في طياتها عنصر التشويق والإثارة وتمنح القارئ شعورًا بالاطلاع على الممنوع.
ومع تطور الزمن وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي تحولت هذه الظاهرة إلى مستوى جديد تمامًا. لم يعد الأمر مقتصرًا على صفحات في جريدة ورقية، بل أصبحت الجرائم الأخلاقية وفضائح المشاهير تتصدر التريندات على فيسبوك وتويتر وإنستغرام. ومع خوارزميات هذه المنصات التي تدعم المحتوى المثير للجدل باتت الجرائم والفضائح الرقمية أداة قوية لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح.
الخطير في الأمر أن الظاهرة لم تعد مجرد نقل خبر بل تطورت إلى تسويق غير مباشر للشر. فالمبالغة في نشر تفاصيل الجرائم وتضخيم الفضائح قد يخلق نوعًا من التطبيع مع السلوكيات السلبية أو حتى تقليدها، خصوصًا بين المراهقين والشباب.
إذن، نحن أمام سؤال مهم: هل الإعلام يسوق للجريمة؟ أم أن الجمهور هو الذي يفرض هذا النوع من المحتوى؟
الحقيقة أن العلاقة متبادلة. الإعلام يقدم ما يجذب الجمهور والجمهور يستهلك ما يشبع فضوله. وبين الطرفين تتحول الجريمة من حدث عابر إلى سلعة تُسوَّق وتُستهلك بكثافة حتى أصبحنا نعيش في عالم يبدو وكأنه يروّج للشر بشكل ممنهج.
وفي النهاية يبقى التحدي الأكبر في إيجاد توازن بين حق الجمهور في المعرفة ومسؤولية الإعلام في عدم تحويل الجريمة إلى مادة ترفيهية أو وسيلة لجني الأرباح.