مقالات

موسم الخريف وخطوط هجرة الطيور: مصر والمنطقة العربية بوابة العبور إلى الجنوب الدافىء

 بقلم /سهام عزالدين جبريل

مع بداية فصل الخريف، تفتح السماء أبوابها لأسراب الطيور المهاجرة، كأنها قوافل عابرة بين الشمال والجنوب، تحمل معها معنى الحرية وصدق الانتماء إلى دورة الطبيعة الأبدية. تنطلق بلا جوازات ولا حدود، وكأنها تقول للإنسان:
إن الأرض واحدة، والسماء مظلة رحبة تسع الجميع بالتعايش والحياة دون زحام أو صراع فالحياة اجمل أن نصونها ونعيشها بكل حب وتعايش مع الآخرين دون صراع وحروب. ودمار.

إنها رحلة حياة تُذكِّرنا بأن الانسجام مع الكون هو أسمى دروس الخلق، وأن الطير سيبقى المعلم الأول للبشر منذ بدء الخليقة.

فمع بداية الخريف، تتغير ملامح الطبيعة في نصف الكرة الشمالي، وتتراجع حرارة الصيف، وتتحرك أسراب الطيور في رحلة موسمية تعد من أعظم الظواهر الطبيعية على كوكب الأرض: الهجرة. تلك الحركة السنوية التي تربط قارات العالم ببعضها، وتشكل شبكة من “الطرق الجوية” التي لا تقل أهمية عن الطرق البحرية أو البرية في التاريخ الإنساني.

فالخريف: موسم الانطلاق نحو الدفء
عندما يقصر النهار وتبرد الأجواء في أوروبا وآسيا، تبدأ ملايين الطيور في الانسحاب من موائلها الصيفية باتجاه الجنوب. يحملها غريزة البقاء بحثاً عن الدفء والغذاء. هذه الرحلات قد تمتد لآلاف الكيلومترات، وبعضها يصل إلى أقصى جنوب أفريقيا.

-خطوط الهجرة العالمية للطيور
العلماء رصدوا أربعة مسارات كبرى لهجرة الطيور على مستوى العالم، أهمها:

1. المسار الشرقي الأطلنطي: يربط شمال غرب أوروبا بغرب أفريقيا.

2. المسار الأوروبي – الآسيوي: يبدأ من شمال أوروبا ويمر عبر شرق المتوسط وصولاً إلى أفريقيا.

3. المسار الآسيوي – الشرقي: يمتد من سيبيريا وشرق آسيا إلى جنوب آسيا وأوقيانوسيا.

4. المسار الأمريكي: خاص بالقارة الأمريكية.

– وتُعتبر مصر ومنطقة الشرق الأوسط نقطة التقاء رئيسية في هذه الشبكة، حيث تمر ملايين الطيور
– فوق سيناء، قناة السويس،
– سواحل البحر الأحمر – ووادي النيل.

-حيث تمثل مصر بموقعها
الجيو استراتيجى ملتقى الطيور المهاجرة وتمر بها شبكة من الخطوط العالمية لهجرة الطيور
وذلك بفضل موقعها الجغرافي الفريد بين ثلاث قارات، تمثل مصر “الجسر الطبيعي” الذي تعبره أكثر من 500 نوع من الطيور المهاجرة سنوياً. من بينها اللقالق، النسور، الصقور، الطيور المغردة الصغيرة، وحتى طيور الماء كالبجع والبط.

-سيناء: معبر استراتيجي بين آسيا وأفريقيا.

وادي النيل: مصدر غذاء وماء للطيور العابرة.

سواحل المتوسط والبحر الأحمر: محطات استراحة هامة.

-وفى سيناء نجد أن الخريف يمثل حالة خاصة فى مجتمع سيناء فهو موسم الخير والعطاء حيث أن فصل الخريف في سيناء مرتبطًا بعبور الطيور المهاجرة، إلى جانب أنه موسم يقترن بكثير من الأنشطة الاقتصادية والتراثية والتى تأثرت بكثير من الأنشطة الحياتية حيث يمثل الخريف فصلًا وموسم ينتظره أهل شمال سيناء بفارغ الصبر، لأنه يمثل موسم الرزق والفرح والكسب الحلال الطيب الذى منحته الطبيعة لسيناء حيث يقترن به موسم حصاد الزيتون حيث كان الأجداد يطلقون عليه “جد الزيتون”، حيث يتم حصاد الثمار وتخليل جزء منها، وعصر جزء آخر لإنتاج الزيت، مع تخصيص مايكفي لاستهلاك الأسرة من موسم لآخر. وكان الفائض يُباع لتغطية احتياجات البيوت وزواج الشباب وسداد الديون.

هذا إلى جانب أقرانه أيضا
بموسم البلح حيث الحصاد والذى يُقسّم فيه بين الطازج والرطب، وما يُجفف لصناعة “الشقيق”، أو يُحوّل إلى عجوة في “المشرة” التي تُقام بجريد النخيل، لتكون مؤونة العام. أو مايتم شوية فى الأفران التقليدية وتخزين طوال العام
هذا إلى جانب موسم
صيد السمان: فصل الخريف هو الموعد الذهبي لصيد السمان المهاجر على سواحل شمال سيناء. كانت الأسر تنصب الشباك، وتقيم “العرايش” من جريد النخيل، وتتحول أيام الصيد إلى احتفالات أسرية واجتماعية، حيث يبدع الأهالي في طهي السمان: من المقلوبة والطاجن إلى الشوي على نار الحطب.

ويمثل هذا الموسم نموذج من
المشاركة المجتمعية الذى اعتاد الأهالي تخصيص جزء من الزيتون والبلح والسمان كهدايا للجيران والأقارب، في مشهد يعكس روح التكافل الاجتماعي التي ميزت المجتمع السيناوي.

لقد كانت هذه المواسم تمثل شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حيث تفتح أبواب الرزق، وتجمع الناس في لحظات فرح وعطاء، قبل أن تتغير الأوضاع مع مرور الزمن لكنها مازالت طقوس هذا الموسم وخيرة متوارثة الأبناء ويطورنه ويحتفظون بمذاق هذه الذكريات جزءًا من تراث سيناء الحي والذى ايس إليها الآباء والأجداد

-أما الأثر البيئي والاقتصادي
لهجرة الطيور ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل لها أبعاد بيئية واقتصادية من أهمها

الحفاظ على التوازن البيئي من خلال نقل البذور ومكافحة بعض الآفات.
تمثل ثروة للسياحة البيئية،جانب اقتصاد وسياحة هام إذ تجذب مراقبي الطيور من أنحاء العالم إلى مناطق مثل بحيرة البردويل وبحيرة قارون، محمية وادي الريان، ومحمية رأس محمد.

كما أنها تسهم في الدراسات العلمية حول التغيرات المناخية، حيث تعكس توقيتات الهجرة وتحولاتها أثر الاحترار العالمي.

-وتمتد شبكة خطوط الهجرة إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية حيث تمثل شبكة مشتركة
فيمتد أثر الهجرة إلى المغرب العربي وتونس وليبيا والجزائر، حيث تشكل السواحل والصحارى محطات رئيسية للطيور المتنقلة بين أوروبا وأفريقيا. أما في المشرق العربي، فتمثل الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا المملكة العربية السعودية واليمن معابر لا غنى عنها في هذا الطريق الجوي الحيوي.

-أما عن اثر التغيرات المناخية: التى تفرض تحديات جديدة
ومع تزايد التغير المناخي، باتت مواسم الهجرة تتأثر بوضوح. بعض الطيور اختصرت مساراتها أو غيرت توقيت سفرها. هذا يضع المنطقة أمام مسؤولية الحفاظ على التنوع البيئي وحماية المحميات الطبيعية التي تمثل شرايين حياة لهذه الرحلات الأسطورية.

وفي النهاية، تظل سماء هذا الكوكب فضاءً رحبًا لحركة الطيور، تنتقل فيه بين الشمال والجنوب بحرية مطلقة، مؤكدة أن العالم وحدة جغرافية متصلة لا تفصلها حدود ولا تعوقها حواجز. تنطلق الطيور من الشمال إلى الجنوب، ثم تعود في دورة أزلية من الجنوب إلى الشمال، دون أن توقفها جمارك أو حواجز مرورية. إنها تجسد أسمى معاني الحرية، وتُبرز قيمة الامتداد الطبيعي الذي يتجاوز الانقسامات. ولعل في رحلتها رسالة عميقة إلى الإنسان: أن يتعلم من الطير معنى الانفتاح والحرية، فقد علّمت زى الطيور البشر منذ فجر الخليقة أن الأرض فضاء مشترك، وأن العبور فوقها ممكن بسلام وانسياب.

خالص تحياتى
بقلم: د. سهام عزالدين جبريل
دكتوراه في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية
-زمالة الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية العليا – عضو البرلمان المصري سابقًا