مقالات

الصين بين ذاكرة الحرب العالمية الثانية وتحديات القرن الحادي والعشرين

بقلم /سهام عزالدين جبريل

منذ أن قامت الحرب العالمية الثانية وحتى إشراقات القرن الحادى والعشرين واقتراب الثلث الأول للقرن الحالى مسيرة طويلة قطعها التنين الصينى فمن ذاكرة الحرب إلى صناعة القوة مر اكثر من ثلثى القرن الماضى والحالى على تلك المسيرة حيث بدت تلك المعالم فى احتفالية إحياء الصين لتلك المرحلة الطويلة في احتفالاتها هذا العام بذكرى الحرب العالمية الثانية
لقد بدت الصين فى أوج عظمتها وهى تستعيد ذاكرتهأ الوطنية فى احتفالية تاريخية ترسل رسائل قوية تترجم مدى امتلاك الصين لقواها الشاملة وإدارتها لمعالم قوتها الصلبة والتكنولوجية والمعلوماتية أيضا
فليس الأمر يقتصر فقط على عرض مشاهد المقاومة الشعبية البطولية ضد الاحتلال الياباني، بل أيضًاكان المشهد عرضا يجسد إرثًا سياسيًا ونفسيًا أسّس لهويتها الحديثة.
فشعب الصين الذى قاوم على مدى ثماني سنوات غزوًا دمويًا، لم يكن يملك آنذاك قوة عسكرية كبرى، لكنه امتلك روح الصمود والمقاومة التي تحولت لاحقًا إلى ركيزة قوية في بناء “التنين الصيني”.

فمن الضعف والهشاشة إلى النهضة والتقدم التى انتهجت خطة الألف ميل والتنمية
وهنا يكمن سر هذا التميز التى أبرزتها الاحتفالات التاريخية لهذه الذكرى هذا العام و التى بدأت خطواتها عقب الحرب وما تلاها من حرب أهلية طاحنة ، إلى استهداف ثقافى و اجتماعى حيث أدركت القيادة الصينية أن تجاوز التخلف لا يتم بالشعارات بل عبر خطوات ثابتة تمثلت فى “خطوة الألف ميل” التي قامت على اسس هامة وهى :

*بناء قاعدة صناعية وزراعية مكتفية.

*الاعتماد على الذات مع الانفتاح المرحلي على التكنولوجيا الغربية.

*صياغة نموذج “التنمية مع الانضباط السياسي” الذي جعل الحزب الشيوعي مرجعًا مركزيًا للاستقرار.

هذه الخطة لم تكن مجرد مشروع اقتصادي، فقط بل تحولت إلى مشروع حضاري تنموي أنتج طبقة وسطى جديدة، وخلق بيئة مواتية تحتضن الابتكار، وينمو فى محيطها التطور الدافع بقوة وصولًا إلى أن اضحت الصين اليوم ثاني أكبر اقتصاد عالمي.

ومما لاشك فيه أن مسيرة الصين الطويلة التى قاربت الثمانين عاما حيث اعتمدت على البناء الداخلى إلى جانب صناعة التحالفات والتوازنات الاستراتيجية مع دول الجوار الاستراتيجى اولا فعلى سبيل المثال نجد نموذج انثى فى الاتى :

*نموذج الصين وكوريا:
حيث مثل ذلك تحالف موروث وتوازنات استراتيجية
فقد رأت الصين في كوريا الشمالية عمقًا استراتيجيًا يكفل لها توازنًا في مواجهة الحضور الأمريكي بكوريا الجنوبية واليابان. وفي الوقت ذاته، تستثمر بكين في علاقتها مع كوريا الجنوبية اقتصاديًا وتكنولوجيًا، مما يجعل العلاقة “مثلثة” تعكس براعة الصين في إدارة التناقضات لمصلحة أمنها القومي.

*نموذج الصين وروسيا:
حيث برز تقارب الضرورة وحيسابات الأبعاد العالميةلهذا التقارب حيث برز التقارب الروسي–الصيني الذى تجاوز البعد التكتيكى والاختلاف فى تطبيق آليات النظرية الاشتراكية ولكن هناك محطات تقارب مصيرية فالدولتان تشتركان في الاتى :

*رفض الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.

*بناء فضاءات بديلة مثل منظمة شنغهاي وبريكس.

*توسيع التعاون في مجالات الطاقة والتسليح والتكنولوجيا.

ورغم أن هذا التقارب فان الأمر لا يخلو من حسابات دقيقة،
إذ يدرك الطرفان أن شراكتهما تحمل في طياتها تحديات التنافس طويل المدى، لكنه يبقى تقاربًا براغماتيًا يعزز موقفهما أمام واشنطن.

وهنا يطرح ذلك السؤال الهام وهو :

-احتماليات المواجهة مع الولايات المتحدة
ففي ظل صعود الصين، تبقى واشنطن في موقع “المراقب القلق”. فاحتمالات المواجهة تأخذ عدة صور:

*مواجهة اقتصادية/تجارية: عبر الحروب الجمركية وقيود التكنولوجيا (مثل معركة أشباه الموصلات).

*مواجهة عسكرية محدودة: خاصة في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، حيث تمثل تايوان خطًا أحمر بالنسبة للصين وورقة ضغط أمريكية.

*مواجهة أيديولوجية/سياسية: من خلال تصوير “النموذج الصيني” كتهديد للديمقراطية الغربية.

لكن بكين تدرك أن المواجهة المباشرة مع واشنطن مكلفة، ولذلك فهىيبدو أنها تفضل “اللعب الطويل” القائم على التوسع الاقتصادي، الذى ينفذ بسهولة دون ضجيج ويدعم بناء النفوذ التكنولوجي، واختراق الأسواق العالمية عبر مبادرة “الحزام والطريق”.

وترى العديد من وجهات النظر أن الصين بدت فى سياستها الذكية التى بنيت على أسس خبرات تستمدهاة من بين خبرات الماضي وطموحات المستقبل فمن ذاكرة الحرب العالمية الثانية، مرورًا بخطوة الألف ميل والتنمية، وصولًا إلى علاقاتها المعقدة مع روسيا وكوريا وحسابات احتمالات المواجهة مع الولايات المتحدة، هكذا تبدو الصين نموذجًا لبلد نجح في تحويل جراح الماضي وتداعياته المؤلمة إلى قوة دفع نحو المستقبل. واليوم، وهي تحتفل بذكرى الحرب العالمية الثانية فهى تستعيد ذكرى المقاومة، فإنها لا تحتفل بالماضي وخبراته وتجارية بقدر ما تؤكد على معركة الحاضر فهى معركة المستحيل التى تسعى فيها حثيثا إلى إعادة البناء والوجود بقوة فى تشكيل النظام الدولي لصالح “تنين صيني” بات يصعب تجاهل زئيره.

خالص تحياتى
د/ سهام عزالدين جبريل
دكتوراه في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية
-زمالة الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية العليا – عضو البرلمان المصري سابقًا