مقالات

الدكتور السيد مرسي الصعيدي يكتب.. أسطورة النبي دانيال بالإسكندرية

فى قلب الإسكندرية، حيث شارع النبي دانيال، هناك حكاية لا يعرفها إلا من عاشها أو اصطدم بها عجلة سيارته ذات ليلة من ليالى الإسكندرية، إنها ليست مجرد حفرة، بل أسطورة حضرية، كائن غامض يطل برأسه من باطن الأرض كلما نامت المدينة، الحفرة لم تعد حفرة. إنها مزار غير معلن، مقبرة للأحلام، تتجدد كل عام مثل موسم الحج: تُردم بالإسفلت الرديء، وتُغطى بابتسامات مسؤولي الحى، ثم لا يمر أسبوع حتى تتمرد وتعود أكبر، أعمق، وأكثر شراسة.

كأنها تبتلع الرصيف لتعلن أن الكلمات والوعود لا تصلح أساسًا للردم، يقول السائقون إنهم رأوا سيارات نصف نقل تختفى بداخلها وكأنها ثقب أسود مصغر ويقسم بعض المارة أن أصواتًا غريبة تنبعث منها ليلاً، أصوات تشبه ضحكات بيروقراطية ساخرة تتهكم على المواطنين:

ـ “هاتوا بلاغاتكم، سنردمها قريبًا… قريبًا جدًا…” التجار فى شارع النبى دانيال
يروون أن الحفرة صارت جزءًا من تاريخ السوق، مثلها مثل الكتب القديمة المصفوفة على الأرصفة. أحدهم قال بمرارة:ـ “هذه الحفرة أقدم من عقود الإيجار المؤبدة، وهى الدليل الحى على أن الإسكندرية لا تموت، لكنها تسعل بدم.


وفى النهاية، لم تعد الحفرة مجرد ثغرة فى الطريق، بل أصبحت مرآة لثغرة أكبر فى العقلية الإدارية.

حفرة النبى دانيال ليست صدعًا فى الأسفلت فقط، بل هي صدع فى الضمير العام.

وكلما حاولت المدينة أن تنسى، تذكّرها الحفرة بأنها الحقيقة العارية، لا تُردم ولا تُطمس، هكذا ولدت أسطورة الإسكندرية المعاصرة:

حفرة صارت أخطر من الطوفان، وأبقى من خطط التنمية، وأصدق من كل بيانات الترميم.