مقالات

“طاقة نور” بين التدقيق والكمال هل يصل الكاتب إلى تمام النص؟

بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

قبل يومين وصلني تقرير أحد المحكّمين لبحثٍ مشتركٍ مع أحد الأساتذة الراسخين في اللغة والكتابة، أعددته للنشر في مجلة كويتية متخصصة، وقد جاء في تعليق المحّكم ما نصّه:

“أصدقكم القول إنه للمرة الثانية أقرأ بحثًا مدققًا في مراجعته، سليمًا في لغته، محْكمًا في عباراته، جادًّا في مسلكه. غير أن هناك بعض الأخطاء اللغوية والمطبعية (أحد عشر خطأ) وهو عدد لا يذكر في تحكيم البحوث العلمية. ولكن تصويبها يحافظ على نقاء الثوب العلمي الأبيض من البقع السوداء”.

واليوم، وصلتني البروفة الأولى لأحد كتبي التي وقّعت عقده مع دار النشر قبل أسابيع. ولشدّة ثقتي في مراجعة المتن قبل إرساله، كدتُ أطلب من منسقة الدار الانتقال مباشرة إلى المرحلة التالية، لكنني آثرت الاطّلاع على ملاحظات المدقق. فإذا بي أجد أنّه رصد ما لا يقل عن خمسين خطأً إملائيًا وتحريريًا!

إنّ مسألة التجويد والوصول إلى الكمال تكاد تكون مستحيلة في علومنا الإنسانية. فقد قال الشيخ طاهر الجزائري -وكان سريعًا في التأليف -: “الإتقان لا حدّ له، والأغلاط تُصحح مع الزمن”.

وهناك مقولة رائعة تنسب للعماد الأصفهاني، لكنها في الحقيقة للقاضي الفاضل، يقول فيها: “إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لوُ ُغَّيرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحَسن، ولو قُدَّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”.

ويبقى السعي إلى الإتقان مطلبًا لا غنى عنه، غير أنّ الكمال غاية يتعذّر بلوغها. فالنصوص – مهما نُقّحت- تظل قابلة للمراجعة والتحسين، وما الأخطاء إلا شاهد على بشريّة الكاتب، ويأبى الله ألا يكون كاملًا إلا كتابه الكريم.