مقالات

الهجوم على قطر.. رسائل أبعد من المشهد المباشر

بقلم /سهام عزالدين جبريل

رغم صغر مساحتها الجغرافية، استطاعت قطر أن ترسم لنفسها حضورًا مؤثرًا في المشهدين الإقليمي والدولي عبر ما يُعرف بـ الدبلوماسية النشطة. فقد تحولت الدوحة خلال العقدين الماضيين إلى محطة محورية لإسناد عدد من القضايا الحساسة: من رعاية مفاوضات السلام في السودان، إلى الوساطة بين الفصائل الفلسطينية، وصولًا إلى دورها في الملف الأفغاني واستضافتها لمحادثات طالبان. هذا الزخم جعل من قطر دولة تتجاوز وزنها التقليدي، لتصبح عنصرًا فاعلًا في معادلات الشرق الأوسط.

لكنّ الهجوم المتجدد على قطر يثير تساؤلات جوهرية: هل هو مجرد ضغط سياسي وإعلامي أم محاولة حقيقية لـ انتزاع منها مهمة الوساطة والإسناد التي اعتادت أن تضطلع بها؟ وهل يمكن أن يؤشر هذا التصعيد إلى إعادة توزيع أدوار القوى الإقليمية في ملفات الصراع والتسويات المستقبلية؟

خلفية الهجوم
تتصدر قطر منذ سنوات مسرح التفاعلات السياسية في المنطقة، سواء عبر قوتها الإعلامية الناعمة، أو من خلال سياساتها في ملفات إقليمية حساسة مثل القضية الفلسطينية، أزمات القرن الإفريقي، والملف الأفغاني. هذه الأدوار جعلتها عرضة لهجوم مستمر من قوى إقليمية ترى في تحركاتها تجاوزًا للأدوار التقليدية لدولة صغيرة جغرافيًا، لكنها كبيرة التأثير.

التداعيات الداخلية والإقليمية
إعادة الاصطفاف الإقليمي: الهجوم يسلط الضوء على استمرار حالة التنافس بين محور يدفع باتجاه سياسات أكثر مركزية ومحافظة، ومحور آخر يتبنى الانفتاح والوساطة.

لماذا ضغط على السياسة الخارجية القطرية:
اعتقد أن الهدف من التصعيد ليس فقط التشهير، بل دفع قطر إلى مراجعة مواقفها في قضايا وملفات معينة.

مثال ملف الغاز والطاقة: مع تصاعد التنافس الدولي على مصادر الطاقة، تصبح قطر لاعبًا حساسًا، ما يضاعف حدة الاستهداف.

الأبعاد الأيديولوجية
الهجوم يعكس صراعًا يتجاوز المصالح المادية إلى معركة السرديات:
سردية قطر التي تقدم نفسها كداعم للحركات الشعبية ووسيط للحوار.
في مقابل سردية أخرى تعتبر هذا النهج تهديدًا للاستقرار وتجاوزًا للترتيبات الإقليمية التقليدية.

الرسائل الدولية المستهدفة :
إلى الولايات المتحدة وأوروبا: قطر ما زالت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في ملفات الطاقة والوساطة.

إلى الشعوب العربية: محاولة تقويض النموذج الإعلامي والسياسي القطري، الذي يفتح مساحات أوسع للرأي العام.
إلى خصومها الإقليميين: الاستهداف رسالة بأن استمرار الدور القطري لن يكون بلا تكلفة.

رؤية للمستقبل المفتوح:
يبقى السؤال الأهم: هل ستؤدي هذه الحملات إلى تراجع الدور القطري أم إلى تعزيز حضوره عبر الالتفاف الشعبي والدولي؟
الأرجح أن قطر ستواصل انتهاج سياسة “الدبلوماسية المرنة” مع تعزيز قوتها الناعمة، بينما يظل الهجوم جزءًا من معركة النفوذ الكبرى في الشرق الأوسط.

رؤية شخصية:
من وجهة نظري، الهجوم المتكرر على قطر يعكس إدراكًا متناميًا لدورها المؤثر في ملفات إقليمية ودولية، وليس مجرد خلاف سياسي عابر.
لقد نجحت قطر – رغم محدودية مساحتها – في أن تجعل من نفسها منصة للحوار ووسيطًا لا غنى عنه في قضايا حساسة. وأعتقد أن الحملات الموجهة ضدها لن تنتقص من مكانتها، بل على العكس قد تمنحها مزيدًا من الزخم والتأييد، لأنها تؤكد أن حضورها أصبح واقعًا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.

خالص تحياتى

د/ سهام عزالدين جبريل
دكتوراه في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية
-زمالة الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية العليا – عضو البرلمان المصري سابقًا