مقالات

“طاقة نور” قصة كتاب.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

في عام 2017، وأثناء زيارة لي لمكتبة جرير بالمدينة المنوّرة، وقعت عيني على كتاب المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية”، كنت وقتها مهووسًا بقراءة السير الذاتية والمذكرات، وما إن قلبت فهرس الكتاب حتى أسرني محتواه، رغم أنني ترددت بدايةً حين رأيت سعره: 99 ريالًا. كان رقمًا كبيرًا جدًا مقارنةً بأسعار الكتب في مصر، لكنني همست لنفسي: “كتاب يزيد على 700 صفحة يمكن أن يكون ونيسًا طويل الأمد على السرير “.

وبالفعل، لم تمضِ ليلة شرائه حتى بدأت رحلتي معه، وقضيت ليالٍ ممتعة أعيش بين دفتيه حتى أنهيته.

المفارقة أنني حين عدت إلى مصر، اكتشفت أن الكتاب نفسه متوفر ضمن منشورات الهيئة العامة لقصور الثقافة بسعر لا يتجاوز ثلاثة جنيهات فقط! عندها اجتاحتني ندامة شديدة، تلك الندامة التي لا أجد لها مثيلًا إلا في المثل العربي القديم”ندمت ندامة الكسعي”.

ولمن لا يعرف القصة: الكسعي هو محارب بن قيس. كانت له قوس لا تضارعها قوس، وذات مساء، رأى ظباءً فرماها بسهم منه واخترقها وأحدث شرراً في الجبل، فظنّ أنه فشل في رميه ، ثم مر به قطيع آخر ورماه ونفذ السهم منه إلى الجبل أيضًا، وظن أنه فشل مرة أخرى .وحاول مرة ثالثة، وحدث له ما حدث في السابق ، وغضب وأخذ قوسه وكسرها ، ولما أصبح وجد ثلاثةً من الظباء مطروحة أرضًا وأسهمه مضرجة بدمائها فندم على كسره للقوس وأنشأ يقول :
ندمت ندامـــةً لـــو أن نفسي
تطاوعني إذاً لقطعت خمسي !
تبيّن لـــي سفاه الــــرأي مني
لعمر أبيك حين كسرت قوسي !

تذكرت هذه القصة وأنا أنهي قراءة الكتاب للمرة الثانية؛ إذ قلّما أعيد كتابًا مرتين. لكن رحلة المسيري الفكرية ليست مجرد سيرة، بل هي حوار عميق بين التجربة والفكر، وهي من الكتب التي أنصح كل مثقف وأكاديمي بقراءتها على الأقل مرة واحدة.