
“طاقة نور” وتلك الأمثال بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
كنت في حوار معه اليوم، وهو الأستاذ الأكاديمي، والمتوقع أن لديه من الثقافة نصيب، فاستدعى النقاش حكمة نطقت بها، فقلت: “إذا هبّت رياحك فاغتنمها”، ثم مضينا في الحديث، فقلت: هناك مثل شعبي يقول: ….
وقبل أن أنطق به، إذ يقول -بلهجة ممتعضة أشبه برجل من النبلاء يخاطب فلاحًا في حديقة قصره-: “لا، لا.. أنا لا أفهم هذه الأمثال.
ارتسمت على وجهي نصف ابتسامة، بل ربع ابتسامة، وقلت: يا عزيزي، الأمثال ليست مجرد عبارات دارجة، بل هي جزء من ذاكرة الشعوب وأحد روافد ثقافتها؛ تختزن خلاصة تجاربها وتؤكد عميق خبراتها. وما من أمة –مهما بلغت في ركب الحضارة والتقدم– إلا ولها رصيد مدوّن أو شفوي من الأمثال.
ثم أضفت: إنّ هناك دراسات ورسائل ماجستير ودكتوراة أُنجزت حول الأمثال، وأحسب أنّ مثل هذه الدراسات لا يحسن نسجها إلا مَن خبر الحياة وعايش تجاربها.
لا أدري إن كانت رسالتي قد وصلته، أم ما يزال يظن أن الأمثال مجرّد “فُضلات ثقافية” لا ينبغي أن تتسلّل إلى حوارنا الأكاديمي المتخشّب القابل للتحنيط.
أعادني هذا الموقف إلى سنوات مضت في مكتبة المسجد النبوي الشريف، حيث كان لي ركن آوي إليه، وقرأت هناك كتاب “مجمع الأمثال” لأبي الفضل الميداني. وقد دوّنت على بطاقات صغيرة عددًا غير قليل من تلك الأمثال البديعة، التي زادتني حكمة وتجربة. ومن أجمل ما حفظت:
– إذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ فيكَ مِنَ الْخَيْرِ ما لَيْسَ فِيكَ فَلا تَأْمَنْ أنْ يَقولَ فِيكَ مِنَ الشَّر مَا لَيْسَ فِيكَ.
– إيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ.
– إياكَ وَأنْ يَضْرِبَ لِسَانُكَ عُنُقَكَ.
– إذَا كُنْتَ فيِ قَوْمٍ فَاحْلُبْ في إنَائِهمْ.
– ابْدَأهُمْ بِالصُّرَاخِ يَفِرُّوا.
– تَسْمَعُ بالُمَعْيِديِّ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَرَاهُ.
– تُقَطِّعُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ المَطَامِع.
– تَنَاسَ مَسَاوِيَ الإخْوَانِ يَدُمْ لَكَ وُدُّهُمْ.
– أَجْرَأُ مِنْ ذُبَابٍ.
– رُبَّ كَلِمَةٍ تَقُولُ لِصَاحِبِهَا دَعْنِي.
وهكذا تظلّ الأمثال حيّة نابضة، تُضرب للناس وتختصر تجارب القرون في كلمات.