
“طاقة نور” في بيتنا عصفوران.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
ظل ابني لفترة طويلة ملحاحًا بأن يشتري طيور زينة، وأنا متردد لأن في البيت إحدى أخواته التي تخشى الطيور والحيوانات، ولنا تجربة سلبية مع القطط حينما كنا في المدينة المنورة؛ فقد أُهديت إلينا قطة سيامي مع جميع مستلزماتها، وما لبثتْ إلا سواد الليل، ثم أعدناها لصاحبها بشكر واعتذار يملؤه الخجل. وكان لسان حاله يقول: ” طالما أنكم لستم أهلًا لتربية حيوان، لكان الأولى أن تكونوا أكثر وضوحًا منذ البداية”.
لكنني فوجئت بابني وقد دخل علينا وبيده كيس من الماء وبه سمكة زينة اشتراها من مصروفه. أخذته في اليوم التالي مدفوعًا بعاطفة الأبوة، محاولًا التوفيق ما أمكن بينه وبين أخته التي تخشى الحيوانات والطيور. وقد كان، إذ اشترى عصفورين جميلين، يتميزان بشكل جذاب وصوت عذب، ووضعهما في قفص أنيق.
أقف أمامهما أكثر من مرة في اليوم، وأتذكر شيخ المعرة، أبا العلاء المعري، الذي كان نباتيًا لا يأكل اللحم ولا البيض. مرض ذات يوم، فوصف له الطبيب الفَرّوج (الدجاج الصغير)، فلما جيء به إليه، لمسه بيده ثم أبى أن يأكله، قائلًا: “استضعفوك فوصفوك، هلا وصفوا شبل الأسد!”
حينما أدقق النظر في العصفورين، أشعر بأن مزاجهما ليس مزاج الطيور الطليقة، على الرغم من كونهما ذكرًا وأنثى معًا، وعلى الرغم من أنهما يتعرضان لأشعة الشمس وقت الأصيل وبعد الشروق للاستفادة من دفئها، ويجدان مداعبة من المارّين، والطعام والشراب متوفر لهما على مدار الساعة، فلا حاجة لهما إلى الغدوِّ خِماصًا والرَّواحِ بطانًا!
إذن، ما الذي يعكر صفو هذا الجو الرومانسي؟
لم أحتج إلى وقت طويل، ولا حتى قصير، لأدرك أن السبب الأكبر، وربما الأوحد، يكمن في هذه القضبان التي حُبسا داخلها. لقد جُلبا من أستراليا، حيث تمتد الغابات الغنَّاء، التي تغطي حوالي 17% من حجم اليابسة! جُلبا من ذلك الأفق الفسيح إلى قفص لا يتجاوز حجمه عشًّا في جذع شجرة!
ثم إن كلاهما مفروض على الآخر؛ فقد اخترنا الأنثى من بين عدد من الإناث، وكذا الذكر من بين جمع من الذكور. فهل يكون هذا الفرض القسري (كلاهما على الآخر) مانعًا نفسيًا يحول دون التواصل الروحي بينهما، لا سيما مع طيور بهذه الرقة؟!
ربما.
هذان الطائران لا يريدان أكثر من سماء بكل اتساعها، وهما على يقين بأن رزقهما سيساق إليهما طالما لم يتوقفا عن التحليق، وأن كل سيصل إلى خليله متى ما دقَّ القلب شوقًا.
لم أنقطع عن متابعتهما، وإن قلّت بمرور الأيام، ثم في يوم ما، أخبرتني زوجتي بأن أحد العصفورين مريض، وقد يموت اليوم، ولأن معرفتي بهذه الأمور لا تتعدى معرفة خالتي سعاد بعلم الإيكولوجيا؛ فدُهشت من يقين زوجتي بشئ هي أعلم مني -بحكم دراستها- أنّ علمه عند الله.
وبالفعل، مات العصفور قبيل المغرب!
ولا تظن أنها مرفوع عنها الحجاب، فقد كانت حالة الطائر تنذر بقدوم الموت.
جاء أحمد مع المساء، “والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير” كما قال صلاح عبد الصبور؛ فعلم بموت العصفور، فأصابه غمّ، ولم يملك نفسه من البكاء.
وجدتني أخفف من روعه بالقول: إيه يا عم أحمد، عادي يا أخي، كلنا سنموت، وبعدين عصفور صغير، ما أسهل أن نأتي بغيره، وأنت كنت قد زهدت تلك العاصفير قبل أيام، وودت أن تطلقها في الفضاء، لولا خوفنا عليها من أنها لم تعتد أن تطعم نفسها، فضلًا عن أن لها طعامًا مخصوصًا لن يتوفر لها في هذه البيئة.
ثم تركته.
فقام من تلقاء نفسه بحفر حفرة في الرمل أمام البيت، ثم وضع العصفور فيها، وجاء بعصا صغيره، وعلق فيها ورقة مكتوب عليها “اللهم ارحم عصفوري” ثم رشقها على قبره.
حينما أخبرني بما صنع؛ انتبهت إلى هذا المعنى الكبير والإنساني الذي عالج به النبي -صلى الله عليه وسلم- موقفًا مشابهًا.
يروى أنس بن مالك -رضي الله عنه-، كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير ، وكان له نغر (طائر) يلعب به، فمات هذا الطائر، فدخل النبي ﷺ ذات يوم فرآه حزينًا، فقال : ما شأنه ؟ فقالوا مات نغره، فقال له النبي ﷺ: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟