مقالات

“طاقة نور” تاج الملك ومحراث الفلاح.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

قال عنترة بن شداد في بيت من أبدع الشعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
فهو يعيب المقارنة بين المتفاوتات، لأنها تحمل انتقاصًا من قدر الأعظم حين يُقاس بما هو أدنى منه.

ولعل الصورة تزداد وضوحًا حين نقارن بين تاج الملك، المرصع بالجواهر النفيسة، وبين المحراث الحديدي الذي صنعه الحداد ليشق به الفلاح الأرض. أي منطق يجمع بين هذه الرمزين المتناقضين؟

غير أن المصادفات كثيرًا ما تصنع مفارقاتها؛ فقد اجتمع التاج والمحراث صدفة في جراب واحد، بعدما نهب الغزاة المملكة، فوضِع الغث والسمين معًا في قافلة الغنائم. وهناك، قبل أن يُفرز كل شيء ويُعاد توزيعه، نشأ حوار بين هذين الرمزين:

– التاج: وجودي ارتبط بالعظماء والملوك، فأنا زينة المهابة وعنوان المجد.
– المحراث: وأنا وجودي ارتبط بالزراعة، تلك الثورة التي أطعمت الملايين وأنقذت البشر من الجوع.
– التاج: أنا عزيز مصون، لا يلبسني إلا ملك بعد ملك، أما أنت فمستباح، يتداولك الناس كيف شاؤوا.

– المحراث: وما العيب في ذلك؟ إن في قابليتي للاستعارة بركة، فخيري لا يُحتكر لواحد، بل يصل لكل محتاج.

– التاج: أنا أصاغ من أنبل المواد، ويجلو بريقِي أمهر الصاغة، وتفوح مني أطيب العطور. أما أنت فلا تفارق الطين والعطن.

– المحراث: نعم، لكن قيمتي في نفع عملي، فأنا أزرع الحياة للآخرين، بينما أنت لا قيمة لك إلا بخدمة من حولك.

– التاج: أنا أزين المجالس الكبرى، وأحضر ليالي الملوك العامرة بالعطور والبهاء. أما أنت فتظل مدفونًا بين عطن الطين مع شروق الشمس حتى غروبها.
– المحراث: تلك العطور التي تحيا بها ممزوجة بأنفاس المنافقين والمتزلفين، أما أنا فأعيش بين البسطاء، أُجلل بعرقهم النبيل، وهو أزكى من عصارة الزهور.

– التاج: فلنحتكم إلى الناس، فسترى أنني الأرفع قدرًا والأعظم مكانة.
– المحراث: الكثرة ليست دليلًا على الحق، فكثير من الناس يميلون إلى الباطل، أما الحقيقة فتبقى عصية على الزيف.

وبينما يشتد الحوار، تصل القافلة إلى وجهتها، فيفترق التاج والمحراث، وكل منهما ينظر إلى الآخر من زاويته الخاصة: هذا يرى في نفسه رمزًا للهيبة والجاه، وذاك يرى ذاته عنوانًا للعمل والعطاء.