مقالات

أكتوبر.. عودة الروح إلى شرايين الوطن

بقلم / سهام عزالدين جبريل

في السادس من أكتوبر 1973 لم يكن الوطن على موعد مع حرب فحسب، بل كان على موعد مع بعث جديد للأمة كلها. لقد أعاد النصر العظيم الروح إلى شرايين مصر بعد سنوات من الألم والانكسار، ليؤكد أن الإرادة حين تتحد قادرة على أن تهزم المستحيل.

بالنسبة لنا في سيناء، لم يكن أكتوبر مجرد معركة على أرض بعيدة، بل كان معركة تخصنا في كل بيت وشارع ووادي. كنا نحيا وجع الاحتلال ونحمل في قلوبنا حلم التحرير. كانت أصوات المدافع لا تصل فقط إلى الأذن، بل إلى القلب مباشرة، لتعلن أن فجرًا جديدًا قد بدأ يلوح.

أتذكر جيدًا فرحتنا يوم الانتصار، كان يومًا خرج فيه الناس إلى الشوارع يرددون: “النصر قادم.. الحق عائد”. لم تكن الفرحة مجرد احتفال بالنصر العسكري، بل كانت فرحة التحدي، فرحة أن الكرامة عادت، وأن الأرض التي حاولوا اغتصابها عادت إلينا بدماء طاهرة.

سيناء بعد التحرير.. من ملحمة الحرب إلى معركة البناء

لقد كنتُ واحدة من أبناء سيناء الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية إعادة بناء الأرض بعد التحرير. شاركنا في تنمية سيناء بجهد وإيمان، وكنا نعتبر أن العمل والإعمار امتدادٌ للمعركة، وأن التنمية هي الوجه الآخر للنصر. لم يكن الوطن بحاجة إلى الجنود فقط، بل إلى كل يد تبني وكل عقل يخطط.

فالنصر العسكري في أكتوبر فتح الباب أمام معركة جديدة لا تقل شرفًا، هي معركة التنمية والبناء. أبناء سيناء كانوا في مقدمة الصفوف، يحملون أدوات البناء كما حمل الجنود السلاح، ويغرسون الأمل في أرض كانت شاهدة على الدماء والبطولات.

لحظة العودة في مايو 1979

وإذا كان أكتوبر قد أعاد إلينا الكرامة والروح التى فقدت حيويتها ، فإن مايو 1979 كان لحظة ميلاد ثانية، حين عادت خطواتنا تدوس تراب سيناء بعد غياب طويل. لا أنسى لحظة وصولنا من القاهرة ونحن طلاب بالجامعات ، حين امتلأت محطة رمسيس بالعائدين، والدموع في العيون تختلط بابتسامات لا تنتهي. ركبنا حافلات شرق الدلتا متجهين نحو العريش، وكأن كل كيلومتر نقطعه كان يختصر سنوات من الألم والحرمان والصبر والصمود والتحدى
وحين لاحت مداخل سيناء، كان شعورًا يفوق الوصف: الأعلام ترفرف، الأغاني الوطنية تملأ الأجواء، وأيدينا تلوّح من النوافذ كأننا نحتضن الأرض من بعيد. كانت العودة أشبه بعرس وطني كبير، ليس لأهالي سيناء وحدهم، بل لكل المصريين الذين حلموا باللحظة وانتظروها.

لقد كان المشهد امتدادًا طبيعيًا لنصر أكتوبر: النصر في 1973 أعاد الروح، والعودة في 1979 أعادت الجسد كله إلى أحضان الوطن.
وفى نهاية هذه الكلمات التى أهديها باسم اجيال اكتوبر والتى عادت إليهم الروح فى اكتوبر
إن أكتوبر ليس مجرد تاريخ عسكري، بل هو ذاكرة حية في وجداني وأتحدث عنه بذاكرة و جدان شاهد العيان الذى عاش الحدث وكانه داخلة وجزء منه فاكتور هو يوم انتصر فيه الوطن كله، و يوما خالدا عادت فيه الروح إلى شرايين الأرض المصرية وابنائها
إن نصر اكتوبر يقدم رسالة موقعة باسم مصر، لتقول للأجيال الجديدة والقادمة إن الكرامة تُصان بالدم والعمل، وإن مصر قادرة على النهوض دائمًا مهما كانت التحديات. أما العودة إلى سيناء، فقد أكدت أن النصر لا يكتمل إلا حين تحتضن الأرض أبناءها من جديد، وحين تتحول ملحمة الحرب إلى معركة بناء تعزز مكانة الوطن وتفتح آفاق المستقبل.

د/ سهام عزالدين جبريل
دكتوراه في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية
-زمالة الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية العليا – عضو البرلمان المصري سابقًا