مقالات

“طاقة نور” التربية بالاستماع العاطفي..بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

جاءني مكاشفًا، يحمل همَّه بين كفَّيه، معلنًا عن سقوطه الكبير وانحداره الأخلاقي، باحثًا عمّن يأخذ بيده ويعينه على النهوض.

أكبرتُ فيه صدقه مع نفسه، وشجاعته في مواجهة ذاته. وبعد حديثٍ طويلٍ، أخذتُ عليه عهدًا ألّا يعود إلى طريق السوء، وأن يهجر صحبة الأشرار.
لكنَّه وعد وأخلف، فعاد بعد نحو أسبوعين يحمل خيبات الإخفاق فيما اتفقنا عليه!

كان لقاؤنا الثاني مشوبًا بشيءٍ من القسوة والتأنيب، فقلت له: إن استمرارك في هذا الانحدار سيقودك وأسرتك إلى منعطفٍ خطير. إنك بذلك تفقد معنى الرجولة، ولن تجرؤ يومًا على مواجهة أختك إن أصابها ما أصابك.
ثار الدم في عروقه وقال بغضب: كيف تقول ذلك؟

قلت بهدوء: يا بني، فاقد الشيء لا يُعطيه. كيف ستنصح أختك أو أخاك الأصغر وأنت غارق في هذا المستنقع؟

ناولته كتابي “آيل للسقوط: رمّم ذاتك”، وطلبت منه أن يقرأه على مهلٍ، وأن يضع خطوطًا تحت ما يثير انتباهه لنتناقش حوله لاحقًا، على أن نلتقي بعد أسبوع، متعهدًا بالابتعاد عن جلسات المخدرات ورفاق السوء.

وقبل الموعد المحدد، وصلتني منه رسالةٌ صوتية، صوته يفيض أملاً وبشائر توبة. قال إنه ماضٍ في الطريق الصحيح، يقرأ الكتاب سطرًا سطرًا، ويردد بعض العبارات التي لامست قلبه.

فأجبته قائلاً:
عزيزي… واضح أن بداخلك أشياء جميلة يا بني، فلا تهدم نفسك وأنت ما زلت في ريعان الشباب. لم تخسر شيئًا بعد، ولكنك قد تخسر الحياة كلّها – وربما الآخرة – إن استسلمت لما أنت فيه. كن كما أراك في داخلي: رجلًا قويًا صلبًا، ممسكًا بزمام أمرك. وسأراك، إن شاء الله، في المكانة التي تليق بك.

ثم انقطعت بيننا السبل، ومضى في مجرى الحياة حياة.
ولسببٍ لا أعلمه، خطر ببالي اليوم على غير ميعاد، فبادرت أتفقده عبر الواتساب؛ أهو حنينٌ قديم؟ أم رغبة في الاطمئنان؟ أم مزيجٌ من الاثنين معًا؟

ردّ عليّ بفرحٍ كبير، وأخبرني أنه أنهى دراسته الجامعية، وابتعد تمامًا عن ذلك الطريق المظلم، وأنه يخطط لقادم الأيام.
سجدتُ لله شكرًا أن نجّاه من هذا المصير المأساوي.

إن الشباب طاقة الأمة ورأسمالها الثمين، وإن تُركوا بلا توجيه، تنازعتهم الشهوات من كل حدب وصوب.

هم في حاجةٍ ماسّةٍ إلى من يسمعهم، لا إلى من يعظهم فقط. فكثيرًا ما يكون مجرد البوح والتداعي متنفسًا يخفف عنهم كآبة الحاضر وغموض المستقبل.

فلنغيّر أسلوبنا التربوي من الوعظ الإلقائي الجاف إلى الحوار الوجداني القائم على الاستماع العاطفي؛ ذلك الاستماع الذي تُنصت فيه بكامل كيانك، وكأنّ كل حواسك آذانٌ تُصغي.

اللهم احفظ أبناءنا وشبابنا، واهدهم سُبل الخير والرشاد.