
سلوكيات أولادنا… إلى أين؟ بقلم عادل رستم
لدينا إشكالية كبرى في تناول أي ظاهرة اجتماعية تمس حياتنا اليومية إذ سرعان ما تنقسم الآراء بين من يؤيد ومن يعارض دون أن نتوقف أمام الفعل نفسه لندرسه كظاهرة اجتماعية متكاملة لها جذور وأسباب وامتدادات في واقعنا. نكتب ونتحدث ونتجادل لكننا نادرًا ما ننظر في المرآة لنسأل أنفسنا… ما دورنا نحن كآباء وأمهات فيما يحدث؟
إن سلوكيات أبنائنا اليوم ليست طارئة ولا هي وليدة لحظة انفجار أخلاقي مفاجئ بل هي نتاج تراكم طويل لعوامل نفسية وتربوية واجتماعية واقتصادية. أبناء هذا الجيل يعيشون في عالم سريع الإيقاع مفتوح على كل المؤثرات ينهلون من الإنترنت أكثر مما يتلقونه في المدرسة أو في البيت. بينما نحن ـ الآباء ـ ما زلنا نُربيهم بعقلية زمنٍ مضى وبلغة لم تعد مفهومة لديهم.
ومن أكثر المظاهر المؤلمة التي باتت واضحة في لغة الشباب اليوم تلك الألفاظ الجارحة والسباب والشتائم التي أصبحت عادية في أحاديثهم اليومية حتى بين الأصدقاء. وحين نسمعها نفزع ونقول: “ابني ما يعملش كده… ابني متربي!”
لكن الحقيقة أن تربية اليوم لم تعد تقتصر على ما نقوله داخل البيت بل على ما يتلقاه أبناؤنا خارجه. فهناك “تربية إلكترونية” تمارسها مقاطع الفيديو والألعاب ومؤثرو السوشيال ميديا في غياب دورنا أو ضعف حضورنا. أبناؤنا يتكلمون بلغة لم نصنعها نحن بل صنعها لهم واقع صاخب لم نشاركهم في فهمه ولا في توجيهه.
حين ينعزل الابن في غرفته ساعات أمام شاشة هاتفه نغضب من انغلاقه ولا نسأل أنفسنا هل منحناه بديلًا؟ هل تحدثنا إليه حقًا؟ هل استمعنا لما يدور في داخله من خوف أو حيرة أو رغبة في إثبات الذات؟
وحين تتصرف الابنة بجرأة أو اندفاع نلومها على “قلة الأدب” أو التقليد الأعمى لكننا نغفل أن ثقتها بنفسها أو هشاشتها هي مرآة لما عايشته داخل بيتها من حوار أو كبت أو غياب نموذج يحتذى.
لقد فقدنا التوازن بين الحماية المفرطة وغياب المتابعة بين التسلط وترك الحبل على الغارب بين التنظير عن القيم والتطبيق العملي لها في بيوتنا. كيف نطلب من أولادنا احترام الآخرين ونحن لا نحترمهم في النقاش؟ كيف نغرس فيهم الصدق ونحن نكذب عليهم بحجة الخوف عليهم
الظاهرة التي نعيشها اليوم ليست أزمة جيل، بل أزمة تواصل بين الأجيال. نحن أمام جيل يفتش عن معنى لحياته في عالمٍ لم يعد يمنحه اليقين، ويحتاج إلى آباء يعيدون بناء الجسور معه لا أن يكتفوا بالحكم عليه.
الحل لا يبدأ بمحاضرات ولا بالعقوبات بل يبدأ بالحب والفهم والحوار الحقيقي. أن نرى أبناءنا كأرواح نامية، لا ككائنات خارجة عن السيطرة. أن نتعلم نحن أولًا كيف نصغي وكيف نكون قدوة في الصدق، في الاحترام في الإنسانية.
حين نعيد للبيت دوره كمنبع دفء وأمان.سيعود التوازن شيئًا فشيئًا. وحين يتوقف كل منا عن رمي اللوم على المدرسة أو المجتمع أو الإعلام ويبدأ من نفسه عندها فقط يمكن أن نسأل بثقة …
إلى أين تسير سلوكيات أولادنا؟ وربما نكتشف أن الاتجاه لم يكن خاطئًا بقدر ما كان يحتاج منا قليلًا من البصيرة وكثيرًا من الحُب.