
“طاقة نور”.. الدَّيْن بين الفضل والواجب: قيمة اجتماعية ومسؤولية شرعية
بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
تقتضي ظروف الحياة الصعبة أحيانًا أن يضطر الناس إلى الاستدانة من بعضهم البعض، وهذا من أسمى صور التكافل الاجتماعي الذي يحثّ عليه الإسلام، إذ به تتقوّى الروابط بين أفراد المجتمع وتُسدّ الحاجات وتُرفع الكرب.
إنّ الدائن رجل نبيل كريم، إذ يُفرّج كربة أخيه المسلم ويقضي له حاجةً ملحّة، وقد ورد في الحديث الشريف:”من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة”. وفي الحديث “من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله”.
وغيرها من الأحاديث العظيمة التي تؤكد على ثواب الدائن.
فهنيئًا لمن أعان محتاجًا، واحتسب أجره عند الله، فذلك فضل عظيم لا يضيع عند الكريم سبحانه.
أما المدين؛ فإن أمره خطير وشأنه جسيم، إذ قالوا “: الدَّين همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار.” وليس المقصود ذمّ من اضطر إلى الدين لحاجة، بل التحذير من التساهل في قضائه أو المماطلة في أدائه.
وقد تفشّت في زماننا ظاهرة خطيرة، وهي تأخّر بعض الناس عن سداد ديونهم عمدًا، حتى صار الدائن يطلب ماله من المدين وكأنه هو المستدين! وهذا قلبٌ للموازين وتضييع للأمانة التي أمر الله بها.
أخي المدين، تأمّل هذا الحديث العظيم: “يُغفر للشهيد كل شيءٍ إلا الدَّين.”
حتى الشهيد الذي بذل نفسه في سبيل الله لا يُغفر له دينه إلا إذا أُدِّي، فكيف بغيره؟
وكان من هدي النبي ﷺ أنه إذا وُضع الميت للصلاة عليه سأل: “هل عليه دين؟”.
فإن قيل نعم، قال: “صلّوا على صاحبكم.”
وكان لا يُصلّي على من عليه دين حتى يُقضى عنه، تأكيدًا لعِظم شأنه وخطورته.
فلنتقِ الله في أموال الناس، ولنحرص على ردّ الحقوق إلى أهلها، فالدَّين عبءٌ ثقيل في الدنيا، وحسابٌ عسير في الآخرة.
وفي الختام، يبقى الدَّين امتحانًا للذمم، يُظهر معدن الإنسان صدقًا وأمانة. فمن أدّى ما عليه طابت نفسه وارتفعت منزلته، ومن ماطل أو تهاون أثقل كاهله بوزرٍ لا يزول إلا بالوفاء. فطوبى لمن جعل من دينه جسرًا إلى رضا الله لا قيدًا في عنقه يوم يلقاه.