مقالات

“طاقة نور” الكاتب المصلح بين التنوير وسوء الظن.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة يطلّ منها معظم الناس: المثقفون، وأنصافهم، ومن هم على هامش الثقافة، ممن تسعفهم لغتهم بالكتابة ولو لم يَرْقَ أسلوبهم إلى مستوى العامة.

ومن يدقّق فيما يُطرح في تلك المنصّات، يجد تنوّعًا أفقيًا ورأسيًا؛ فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الأسلوب الجاحظي الفخم إلى الطريقة الفاجومية الغارقة في البذاءة.

كما تتنوّع أقلام الكُتّاب تبعًا لموضوعاتهم: فمنهم من لا يبرح ميدان السياسة، فإذا تجاوزها لا يكاد يُبِين، ومنهم من يعيش في عوالم الرواية والقصص، يطربنا بأجملها حينًا، ويؤذينا بأسوأها حينًا آخر. ومنهم من لا يتعدّى في كتابته ملعب الكرة، وكاتب مسرحي، وناقد فني، وآخر أدبي، وثالث رياضي.

وهكذا تتعدّد ألوان الكتّاب: كاتب متفائل، وآخر متشائم، وثالث جاد، ورابع ممراح ساخر، وخامس ناقد ناقض، قلم يحمل في مداده الترياق والعون، وآخر يقطر السم الزعاف، كاتب جابر وآخر جلاد.

وهذا التنوع والاختلاف سُنّة من سنن الاجتماع البشري، “لن يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا.

ومن صور هذا التباين بين الكتّاب، أولئك الذين يكتبون بنَفَسٍ إصلاحي ووعظي، قصدهم النصح لا الوصاية وهؤلاء الداعين إلى الإصلاح هم صمام أمان المجتمعات.

ومن صور هذا التباين بين الكتّاب، أولئك الذين يكتبون بنَفَسٍ إصلاحيٍّ ووعظيٍّ، غايتهم النصح لا الوصاية، والإرشاد لا الإلزام، فهؤلاء الداعون إلى الإصلاح هم صمّام أمان المجتمعات، إذ يُنبّهون إلى مواطن الخلل، ويبعثون في الناس روح الوعي والمسؤولية.

وقد أخبرنا القرآن الكريم عن حال المصلحين في بني إسرائيل:﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

كما أخبرنا الكواكبي -عليه رحمة الله- إلى حاجة المجتمعات لهذا الصنف من الناس فقال: “ما بال الزمان يضن علينا برجال يُنبّهون الناس ويرفعون الالتباس ويفكرون بحزم ويعملون بعزم ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون”.

غيرَ أنَّ بعضَ الناسِ ينظرون إلى هؤلاء بعينِ الريبة، فيظنّون فيهم نفاقًا أو ازدواجًا، ويطعنون في نياتهم زعمًا أنهم يُظهرون ما لا يُبطنون، وذلك طعنٌ لا دليل عليه؛ إذ لا يعلم ما في القلوب إلا الله. وما ذاك إلا من سوءِ ظنِّهم هم، “فمَن ساءَ فعلُه ساءتْ ظنونُه، وصدّق ما اعتاده من توهُّمٍ”.

والمثقف الحقيقي هو المنفتح على جميع الأقلام، على اختلاف أطيافها وتوجهاتها، ما لم يلبس صاحبها عباءة القاضي فيتعامل مع المجتمع كأنه قاصر، وهو وصيٌّ عليه.

أما من يجعل من ميوله ميزانًا يحاكم به الأقلام قبولًا ورفضًا، فذاك ضيّق الأفق، ولو نبت في رأسه كتبٌ بعدد أشجار غابات الأمازون!
وبهذا تختلط عليه الأمور، فيرمي المصلحين بالباطل، غير مدرك أن التوازن الثقافي في أي مجتمع ناضج لا يقوم إلا على التنوع والاختلاف.

ورحم الله أبا العلاء المعري حين قال:
مَن يَبغِ عِندِيَ نَحوًا أَو يُرِد لُغَةً
فَما يُساعِفُ مِن هَذا وَلا هَذي
يَكفيكَ شَرًّا مِنَ الدُنيا وَمَنقَصَةً
أَن لا يَبينَ لَكَ الهادي مِنَ الهاذي