
“طاقة نور” بين الزير والقُلّة… تأملات في وداع الناس.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة
لقد منَّ الله عليّ ونقلت في بيت جديد. كان فيه جملةٌ من “الكراكيب” تخلّص منها العامل الذي تولّى تنظيفه، غير أنني وجدتُ في أحد أركانه قُلّة جديدة.
ولمواليد ما بعد الألفية: “القُلّة” هي وعاء فخّاري كان -ولا يزال- يُستخدم لتبريد ماء الشرب.
لا أدري لِمَ احتفظتُ بها في الطابق الأرضي المهمل، ثم ما لبثت أن حملتُها معي إلى شقة السكن في الطابق الثاني، ووضعتها في إحدى البلكونات.
تناولتها إحدى بناتي مأخوذة بها، فهي بالنسبة لها تشبه تلك الأشياء القديمة التي اعتاد والدها شراءها في فترة من الفترات.
سألتني: ممكن أرسم عليها؟”
فأجبت: افْعَلي بها ما تشائين.
لكنني سألتُ نفسي لاحقًا: لِمَ احتفظتُ بهذه القُلّة وأنا أعلم أنني لن أشرب منها يومًا؟
هنا تنبَّهت، وأجبت نفسي: لقد احتفظتُ بها لِغَدَرات الزمان التي لا تنقطع؛ فلربما يأتي أحدهم، ممن تغرهم تقلبات الأيام، ويظن نفسه صار شيئًا مذكورًا، فيعوجّ، فإذا ما جاء الجدّ، كسرتُها خلفه!
ومع مرور الأيام، لاحظتُ أن عدد الذين يُتوقع منهم ذلك يزداد!
فكّرتُ في شراء قُلّتين أو ثلاث. فالأسعار في ارتفاع، ومن يدري؟
ثم بدأت أُعدّ الخطة: كيف سأقنع أولادي؟
ماذا سأقول لهم وأنا أدخل البيت بعددٍ من القُلَل؟
أكيد سيظنّون بي الظنون!
ثم خطرت لي فكرة أكثر جرأة: ولمَ لا أُضيف معها زيرًا؟
ولمن لا يعرف الزير من مواليد ما بعد الحداثة، فهو إناءٌ فخّاريّ كبير، يُستخدم أيضًا لتبريد الماء.
أحببتُ الفكرة: زير ومعه مجموعة من القُلَل، لكل راحل مستواه، فالوداع -كما تعلمون- يجب أن يكون على مقاس الشخص.
ومع كل يوم، تزداد قائمة من يُتوقّع أن يُكسَر خلفه شيء!
فكّرت: لماذا لا أبحث عن بيت بجوار فواخري؟
ليس من أبناء العائلة العريقة بالعريش، بل أحد صُنّاع الفُخّار.
فإذا احتجتُ، ذهبتُ إليه مباشرة دون عناء الشحن والتخزين، ولا نظرات العيال وأمهم، تلك التي لا تزال تطاردني مع تلك الصواني والأحجار والأخشاب التي يتم نقلها من مكان لمكان في البيت، ولسان حالهم يقول رجل متلاف؛ يضيّع أموالنا على كلام فاضي، فما بالك لو رأوني أحمل قللًا وأزيارًا؟!
لا، لا… لا أتحمل حدجاتهم، وهمهماتهم، وهمسهم الجارح!
ثم طردتُ الفكرة من رأسي. فلربما تعرّف أولاد الفُخّاري على أولادي، ونقلوا إليهم أن أباهم يزور الفواخري بانتظام، حاملاً قللًا وأزيارًا، فأُصبح في موقف المُستَراب!
وهنا أشرق في ذهني حلٌّ عبقريّ: لماذا لا أبحث عن شقة في شارع القللي؟
فهناك يمكنني أن أشتري من أكثر من بائع دون أن يعرفني أحد!
بدأت أبحث عن الشارع وأسعار الشقق فيه.
لكنّ المفاجأة كانت مدوّية؛ لا يوجد فيه بائعو فخار!
سبحان الله! إذا لم يكن في شارع القللي قُلل وأزيار… فأين تكون؟!
وبالتحري، اكتشفت أن اسم الشارع لا علاقة له بالقُلَل أصلًا!
فـ”القللي” جاءت من “القول”، أي كثير القَول… وليس القُلل!
عندها، تهاوت كل خططي، وأيقنتُ أن هذه القُلّة التي رسمت عليها ابنتي، يجب أن أُحافظ عليها كتحفة أو قطعة أنتيك.
حتى إذا ما جاء مَن يستحقها، كسرتُها خلفه غير مأسوفٍ عليه!
لكن القدر سبقني؛ فقد ضرب أحمد، من غير قصد، الطاولة التي كانت القُلّة عليها، فسقطت وتكسّرت.
وتركتني بين شعورين: هل حرمني من لحظة انتقامٍ كنت أترقّبها؟ أم حماني منها؟