
دوام الحال من المحال.. بقلم عادل رستم
يقولون دوام الحال من المحال وهي حكمة خالدة تختصر فلسفة الحياة كلها في بضع كلمات فما من شيء على وجه الأرض يدوم على حاله لا الفرح دائم ولا الحزن مقيم لا القوة تبقى إلى الأبد ولا الضعف يستمر بلا نهاية فالتغير هو القانون الأول للحياة والثبات وهم لا يصمد أمام الزمن
من يتأمل التاريخ يدرك أن الممالك التي بلغت ذروة المجد قد تهاوت يوماً تحت ركام الغرور أو تقلبات القدر وكذلك الإنسان قد يعلو شأنه اليوم ويخبو غده أو يعيش في انكسار اليوم ثم تنهض همته ليصنع مجده من جديد إنها سنة الله في الكون وتلك الأيام نداولها بين الناس
دوام الحال من المحال ليست دعوة لليأس بل تنبيه للبصيرة ألا تغتر بالنجاح وألا تستسلم للفشل فحين تكون في عز قوتك تذكر أن الزمان دوار وأن التواضع يحفظ النعمة وحين تضيق بك الدنيا فاعلم أن الغيم لا يمكث طويلاً وأن بعد كل ليل فجر وبعد كل محنة منحة
في حياتنا اليومية تتبدل الأحوال بسرعة مذهلة صديق يصبح غريباً وغريب يصير أقرب الناس عمل يزدهر ثم يخبو وصحة تضعف ثم تعود كل هذا يذكرنا بأن الحكمة ليست في مقاومة التغير بل في التكيف معه وفي الإيمان بأن التقلبات ليست نهاية الطريق بل مراحل تصقلنا وتعرفنا على أنفسنا
إن من يدرك عمق هذه المقولة يعيش متوازناً لا يفرط في الفرح ولا يبالغ في الحزن لأنه يعلم أن كل لحظة مهما كانت ستمر فالحياة لا تعرف الثبات لكنها تكافئ الصابرين وتمنح الحكماء القدرة على النجاة وسط أمواجها المتقلبة
وفي نهاية القول يبقى أن دوام الحال من المحال ليست مجرد حكمة ترددها الألسن بل درس تكتبه الأيام على جدران العمر فكل ما نحياه مؤقت وكل ما نفقده أو نملكه عابر لكن الأثر الذي نتركه في قلوب الناس هو وحده الباقي فكن نبيلاً في قوتك صبوراً في ضعفك شاكراً في رخائك راضياً في بلائك واسع أن تمر في هذه الحياة كنسمة خير لا تضر أحداً لأن الأيام تمضي والوجوه تتغير ولا يبقى في الذاكرة إلا طيب الأثر وجمال الموقف
إذن ليست المسألة أن ننعي استمرارية الأشياء بل أن نتعلم كيف نعيش في تناغم مع قانون التغير. أن نستمتع بلحظة الحاضر دون تعلق أعمى وأن نتواضع في النعمة ونصبر في المحنة. أن نكون مثل الربّان الحكيم الذي لا ييأس عندما هاج البحر ولا يغتر عندما سكن لأنه يعلم أن حال البحر لا تدوم.
فلا تحزن على ما فات ولا تفرح كمن يظن أن السعادة أبدية ولا تخف من المستقبل فكل شيء سيتغير. هذه هي الحكمة التي تمنحنا السلام الداخلي وتحررنا من قيد الخوف والطمع وتجعلنا نسافر في رحلة الحياة بروحٍ راضية مع إيقاع الزمن لا بمقاومته.