
تحليل عميق وشامل للأزمة السودانية: تداعياتها المحلية والإقليمية والدولية المتداخلة
بقلم الإعلامية شيما فتحي
تستمر الأحداث المأساوية في السودان، حرب مدمرة تجتاح البلاد، وخوف يخيم على الجميع بعد اجتياح ود مدني، حيث تحولت عاصمة الجزيرة إلى مدينة أشباح، والنازحون يتدفقون إلى سنار والقضارف، تاركين وراءهم كل شيء، لا شيء معهم إلا قصص فرارهم من جحيم الحرب.
وسط تعقيدات المشهد السوداني، يبقى الدور الإسرائيلي لغزًا محيرًا، حيث تظل تحركاتها ودوافعها غامضة، لكن تأثيرها محسوس. يبرز السؤال الجوهري: ما هو الدور الإسرائيلي في هذا المشهد؟ وما هي جذوره التاريخية؟
لفهم البعد الإسرائيلي في السودان، يتطلب الغوص في أعماق التاريخ، واستكشاف مسارات العلاقات السرية، وتتبع خيوط المصالح المتشابكة.
“التأثير الإسرائيلي الخفي: قراءة بين السطور في المشهد السوداني”
من المؤكد أن إسرائيل تضع دول حوض النيل في صلب استراتيجيتها الجيوسياسية، مستخدمة كل ما أوتيت من قوة ونفوذ لتأمين سيطرتها على المنطقة، وتأمين أمنها القومي، وتوسيع نفوذها الإقليمي بأي ثمن، ولو على حساب استقرار المنطقة وأمنها، حسبما تم التصريح به في مناسبات مختلفة.
وهذا -بالطبع- هو أحد الأسباب الرئيسية للتعاون الوثيق بين إسرائيل ودول أفريقية منذ نشأتها. ففي الماضي، التقى وفد إسرائيلي بوفد حزب “الأمة” السوداني، وبدأت إسرائيل في تنسيق علاقة استراتيجية مع السودان بعد استقلاله، وأعدت سياسة دعم قوية له، إلا أن هذه العلاقات تعرضت لانتكاسة حادة بعد انقلاب الجنرال إبراهيم عبود عام 1958، ليصبح السودان من أعداء إسرائيل، بعد انضمامه للمحور الناصري.
في هذه المرحلة، قررت إسرائيل توجيه ضربة انتقامية للسودان، مستندة إلى مبدأ “العدو لعدوي يصبح حليفي”، واتخذت قرارًا استراتيجيًا حاسمًا لتغيير مسار العلاقات وتحولها إلى عداء مستحكم.
واعتمدت استراتيجية في مطلع الستينيات من القرن الماضي، بدعم عسكري ومالي شامل للتمرد في جنوب السودان، بقيادة الجنرال جوزيف لاقو.
في أكتوبر 2015، أزحت الرقابة العسكرية في تل أبيب الستار عن كتاب إسرائيلي، كشفت وثائق إسرائيلية تدخل جهاز الاستخبارات ” الموساد” في تقسم السودان وبناء القوة العسكرية والاقتصادية لدولة الانفصاليين في الجنوب، الكتاب بعنوان “مهمة الموساد في جنوب السودان”، يوثيق دور ضابط في “الموساد”، دافيد بن عوزئيل في تدريب وتسليح الانفصاليين، وصولآ إلي استقلالهم في 2011، ويعتبر هذا “إنجاز اسرائيليآ” و ” ونجاحآ للموساد”.
شكل السودان “شوكة مؤلمة” في خاصرة إسرائيل، تستدعي علاجًا خاصًا، خاصةً وأن تركيبته تتألف من ديانات وإثنيات متباينة، موزعة بين الشمال العربي المسلم والجنوب المسيحي، مما ييسر عملية تفكيكه.
“الصمت الدولي: الشعب السوداني يواجه مصيره وحيدًا”
تخلى المجتمع الدولي عن الشعب السوداني في بداية الحرب، وكان خذلانًا واضحًا، حيث انسحب الموظفون الدوليون من الساحة السودانية تاركين وراءهم الشعب السوداني في مواجهة مصيره المجهول دون اي دعم او حماية، ومكبلآ بالصمت الدولي.
واستمر الفشل الدولي في إيصال المساعدات إلى حيث تشتد الحاجة إليها، وبالحجم المطلوب، بسبب غياب القيادة والاتساق.
وامتد هذا الفشل إلى الآليات الدولية، من مجلس الأمن إلى القوى الأجنبية المتورطة بعمق، بشكل مباشر أو غير مباشر.
وعلى الرغم من قرار مجلس الأمن الذي طالب “قوات الدعم السريع” بإنهاء حصارها للفاشر، لم تتخذ أي إجراءات ملموسة أو ذات مغزى.
في عصرنا الحالي، الذي فقد الحقائق قيمتها، يتبادل الأطراف المتحاربة الاتهامات، مدعين حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، بينما يقف صناع القرار عاجزين عن كبح جماح العنف.
هذه التصريحات ليست سوى مجرد كلمات جوفاء لا تقدم ولا تؤخر، ولا يزال الشعب السوداني ينتظر إرادة سياسية حقيقية تترجم إلى تغيير ملموس في واقعهم.
“الجيش السوداني: بين السيطرة والدمار”
الجيش السوداني يلجأ إلى قوته النارية وأسلحته الثقيلة، بما في ذلك الطيران والمدفعية، في محاولة حازمة لفرض هيمنته على الأرض.
تركز استراتيجيته على السيطرة على المؤسسات الحكومية والمناطق الحيوية، خاصة في الخرطوم، ويتمتع بقيادة وسيطرة أكثر تنظيمًا، مما يمنحه تفوقًا في تنفيذ العمليات العسكرية وسعة النطاق.
ومع ذلك، غالبًا ما تؤدي هذه العمليات إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين، مما يثير استنكارًا دوليًا واسعًا بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي.
“حرب العصابات: استراتيجية الدعم السريع في السودان”
قوات الدعم السريع تنتهج استراتيجية حرب العصابات ببراعة، مستفيدة من سرعتها وانتشارها الكثيف في الأحياء السكنية.
تركز استراتيجيتها على السيطرة على المناطق من خلال مناوراتها السريعة وعمليات الكر والفر المحكمة، مما يحكم الحصار على الجيش النظامي ويعيق تحقيق انتصار حاسم.
كما تستغل معرفتها العميقة بالتضاريس، خاصة في دارفور، لتحقيق تفوق استراتيجي وتأزيم الوضع العسكري.
“السودان: شبح التقسيم يلوح في الأفق”
الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يلقي بظلال قاتمة على وحدة البلاد، مهددًا بتفتيت النسيج الاجتماعي، حيث تتصاعد المخاوف من انزلاق السودان نحو التقسيم.
هذه المخاوف ليست مجرد احتمالات، بل تستند إلى واقع مرير من الانقسامات الإثنية والصراعات التاريخية.
السودان بلد متعدد الإثنيات والثقافات، يشهد صراعات بين المجموعات العربية وغير العربية، خاصة في دارفور، حيث خلفت الصراعات المسلحة أثرًا عميقًا في المجتمع.
في ظل الوضع الراهن، يستغل طرفا النزاع الهويات الإثنية والقبلية لتعبئة الدعم السريع، مما يزيد من حدة الانقسامات.
التقارير تتحدث عن عمليات تطهير عرقي في بعض المناطق، خاصةً في دارفور، مما يعزز مشاعر العداء ويجعل العيش المشترك أكثر صعوبة.
بالإضافة إلى أن الفوارق التنموية الصارخة بين المركز والأطراف، وبين المجموعات الإثنية المختلفة، تثير جراح التهميش والظلم، وتشعل نار السخط، وتدفع بعض المناطق إلى المطالبة بالانفصال، بل تجعلها خيارًا ماثلًا أمام أعينهم.
السودان يقف على مفترق طرق، حيث يتعين على المجتمع الدولي والقيادات السياسية السودانية العمل بجد لإنهاء الصراع، وتوطيد دعائم الوئام الوطني.
“السودان: شبح الانهيار أو أمل البناء”
إن مستقبل السودان يتأرجح في كفة ميزان التاريخ، منتظرًا لحظة حاسمة يختار فيها أبناؤه طريق التوافق والبناء المشترك.
ويتطلب هذا التحول الجذري قيادة فذة تملك رؤية استشرافية، وإدارة سياسية حازمة لا تلين أمام التحديات، ودعما دوليًا لا يفتر ولا يضعف.
ورغم جسامة التحديات التي تواجه السودان، فإن تراثه الحضاري العريق، وثرواته الثقافية الفريدة، وتنوعه البشري الغني، كلها عوامل تشكل أساسًا متينًا يمكن البناء عليه لتحقيق مستقبل أكثر استقرارًا، وأكثر ازدهارًا، وأكثر عدالة لجميع السودانيين، دون استثناء أو تميز.