
كله تمام عبارة صغيرة تخفي وراءها كثيرًا من الخطر
كتبها / عادل رستم
في حياتنا المهنية والإدارية نسمع كثيرا جملة تبدو بسيطة ومطمئنة كله تمام تنطلق بسهولة من أفواه الموظفين والمرؤوسين كأنها المفتاح السحري الذي يغلق كل باب للنقاش ويلغي أي احتمال لوجود مشكلة أو تقصير لكن هذه الجملة القصيرة كثيرا ما تكون القشرة اللامعة التي تغطي واقعا مختلفا تماما واقعا قد يكون مليئا بالفجوات والأخطاء والخلل الذي لم تعد تحتمل التأجيل.
في ثقافتنا الإدارية يستخدم البعض هذه العبارة كوسيلة دفاعية الموظف لا يريد أن يغامر بقول الحقيقة خوفا من ردة فعل الرئيس أو لأنه تعلم عبر الزمن أن المصارحة ليست مستحبة وأن أسهل طريق لتجنب المواجهة هو تقديم صورة وردية عن الواقع وهكذا تتحول الجملة من تعبير عن الاطمئنان إلى أداة لإخفاء الخلل ومن كلمة عابرة إلى ناقوس خطر حقيقي.
المشكلة لا تكون في الجملة ذاتها بل في ما تخفيه فكثيرا ما اكتشف بعد أن قيلت كله تمام بيوم أو أسبوع أو شهر أن العمل كان متعطلا وأن الملفات المهمة كانت معلقة وأن الأخطاء كانت تتراكم في صمت ولطالما شهدت مؤسسات انهيارات مفاجئة لمجرد أن الحقيقة لم تقال وأن الجميع فضلوا السلامة المؤقتة على المواجهة الصادقة.
والأخطر أن هذه العقلية تنتشر بالعدوى بمجرد أن يدرك الموظف أن قول الحقيقة مصيره التجاهل أو اللوم بينما المجاملة تقابل بالرضا والقبول يتحول الصدق إلى خيار غير مرغوب فيه ويصبح الشعار غير المعلن داخل المؤسسة هو إغلاق العيون وتمرير الأيام إلى أن تتفاقم المشكلة ثم نبحث عن حلول متأخرة بعد أن يصبح الضرر واقعا لا يمكن تجنبه.
الإدارة الرشيدة لا تخشى الحقيقة بل تطلبها هي التي تفتح الباب للمصارحة وتشجع على الاعتراف بالمشكلات قبل أن تستفحل وتقدر الموظف الذي يقول لدينا مشكلة أكثر من الموظف الذي يكرر بلا وعي عبارة كله تمام فالتطوير يبدأ من الاعتراف والسيطرة تبدأ من الفهم والنجاح يبدأ من القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نتمنى أن يكون.
إن مواجهة ثقافة كله تمام ليست مهمة فرد واحد بل مسؤولية بيئة كاملة مسؤولية رئيس يمنح الثقة وموظف يتحمل المسؤولية وإدارة تعطي قيمة للحقيقة أكثر من المجاملة حينها فقط تتبدل الجملة من ستار للقصور إلى وصف حقيقي لحالة عمل مستقرة ومنضبطة.
وحتى يأتي هذا اليوم يظل من الحكمة أن نتوجس قليلا كلما سمعنا عبارة كله تمام لأنها كثيرا ما تكون العبور الهادئ فوق أرض تهتز وكثيرا ما تخفي وراءها ما لا نقوله وما لا نريد مواجهته.