آراء وتحليلات

لحظة توهّج… ولى العهد فى أعين العالم

بقلم الدكتور : السيد مرسى الصعيدى

في السياسة، كما في البحر، تأتي لحظاتٌ يكون فيها الموج شاهدًا على ولادة اتجاه جديد، وفي زيارة ولي العهد السعودي للولايات المتحدة، لم يكن البيت الأبيض مجرد مبنى يتلألأ بلونه العاجي، بل كان مسرحًا لإشاراتٍ سياسية تقرأها العيون قبل أن تُدوَّن في مذكّرات الدبلوماسيين،  ولم يكن توهج ولي العهد حدثًا جديدًا، بل امتدادًا لمسارٍ طويل: رؤى تُبنى، واقتصاد يُعاد تشكيله، ومشاريع عابرة للمألوف تُعلن أن المملكة تتقدم بخطوات، بل بقفزات، كان مشهد استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسمو ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، أشبه بلقطة ٍ تُلتقط من قلب التحولات الكبرى، لا من بروتوكولات المجاملات العابرة، فالحفاوة لم تكن مجرد ابتسامة سياسية على منصة كاميرات، ولا مجرّد كلمات صيغت على عجل ، بل كانت إنصاتًا حقيقيًا، اتكأ فيه الرجل على مقعده، ومال بجسده إلى الأمام، كما يميل الطالب أمام أستاذ يشرح خريطة المستقبل.

صاحب السمو يمثّل جيلًا جديدًا من القيادة، خليطًا من الطموح الذي لا يعرف السقف، والحكمة التي تتعلم من التاريخ، والوضوح الذي لا يترك مكانًا للتأويل، وإذا كانت اللقاءات السياسية تُقاس غالبًا بما يُقال فيها، فإن هذا اللقاء قِيس بما لم يُقل: نظرات تقدير، وابتسامات توافق، وإحساسٌ بأن الشرق الأوسط مقبل على فصل جديد، بطلُه شابٌ يعرف وجهته جيدًا، التى تحوّلت إلى مشروع، والمشروع الذى أصبح واقعًا، والواقع الذى صار يُدهش حتى من لا يريد أن يندهش، تلك السعودية التى لم تعد تُرى فقط من زاوية النفط أو موسم الحج أو ثقلها الدينى، بل تُرى اليوم من زاوية المستقبل… من زاوية «الرؤية» فالتحولات الكبرى لا تُقاس بارتفاع الأبراج، بل تُقاس بارتفاع النظرة العالمية إلى الدولة. وما بين لقاء وآخر، باتت ملامح التحول تتكرّس بوضوح: شراكات اقتصادية تُصاغ، تحالفات سياسية تُعاد هندستها، سياسات دولية تُراجع، والعالم يفتّش عن موقعه فى منظومة جديدة تتشكل وخرجت الرياض فيها من خانة المشاهد إلى خانة صانعى اللعبة. الإنصات الأمريكي والأوروبي لولى العهد ليس مجاملة، بل هو اعتراف. والاعتراف – كما يقول القصيبي فى أحد كتبه – هو أول أبواب الحقيقة. وحقيقة اليوم أن المنطقة تشهد صعودًا جديدًا، له قائد يعرف متى يتقدّم، ومتى يصمت، ومتى يبتسم، ومتى يضع الإصبع على خريطة العالم ليقول: «من هنا سنبدأ، ومن هنا سنصل».

إنها لحظة توهّج، نعم. لكن الأهم أنها لحظة تُكتب… لا تُقال فقط. لحظة تتقدّم فيها السعودية بثقة، ويمدّ العالم رأسه ليرى ما الذى يحدث فى الجنوب العربى من الجزيرة… الجزيرة التى لا تزال قادرة على مفاجأة التاريخ كلما ظنّ أنها استقرت.