مقالات

حين يغسل المطر قلوبنا ويعود بنا للأمس.. بقلم عادل رستم

يوم بارد وممطر
يوقظ في الذاكرة أبوابا أغلقتها السنوات
فالمطر لا يسقط على الأرض فقط
بل يسقط على الوجدان
ويعيد إلينا صور الطفولة كما لو أنها ما زالت تسكن زوايا الروح

في تلك الأيام
كنا نطارد المطر بضحكاتنا
نقف تحت المزراب كأننا نحتفل بحدث كبير
نهتف بأغنية الطفولة البريئة
يامطرة رخي رخي على قرعة بنت اختي
نركض حفاة
فتتحول الأرض تحت أقدامنا إلى لوحة طينية تفيض بالحياة

وفي بيوت الطين
كان الكانون يتوهج بجمره الأحمر
نحتشد حوله بعيون تلمع بالانتظار
نترقب الرغيف الصغير أو آخر ما تبقى من عجين الأم
ذلك الذي يمنحنا دفء الطفولة بأكمله
نراقب خروجه من فم النار
كأنه هدية لا تشبه أي شيء آخر
وعلى أطراف الكانون
تدفن بيضة صغيرة في الرماد الساخن
ننتظر نضجها بلهفة
فإذا نضجت
حملتنا إلى عالم من البساطة والطعم والحنين

لكن كل شيء تغير
لم تعد الطفولة هي الطفولة
ولا الأيام هي الأيام
الأطفال اليوم لا يشبهون ما كنا عليه
فالحياة تزداد توحشا
واختفى ذلك العالم الذي كان يحتضن خطواتنا الأولى
صار صديق الأطفال شاشة مضيئة
تمسك بأيديهم
وتفرض عليهم إيقاعها ولغتها وسلوكها
وتأخذهم إلى عوالم لا تشبه عالمنا
ولا تشبه ضحكاتنا تحت المطر

ننظر إليهم اليوم كآباء أو أجداد
ونتساءل
هل يومهم خال من المتعة
أم أننا فقط نفتقد متعتنا نحن
نحاول أن نتعاطف معهم
ونظن أنهم محرومون من الدهشة التي عرفناها
من انتظار الرغيف الصغير
ومن دفء الكانون
ومن البيضة المدفونة في الرماد
ومن المطر الذي كان يكتب قصتنا على الأرض

ربما اختلف الزمن
وربما نحن من نحمله في قلوبنا كما كان
لكن الحقيقة أن المطر كلما هطل
عاد إلينا كل شيء
وعادت معه طفولتنا
بأغانيها
ومطارداتها
وبساطتها
وبذلك الحنين الذي يشبه عودة روح قديمة من بين صفحات العمر