آراء وتحليلات

تواصل إجتماعى أم خراب

بقلم الدكتور : السيد مرسى الصعيدى 

لم يعد التواصل في زماننا هذا تواصلاً، ولا الاجتماعي- اجتماعًا، بل صار شيئًا ثالثًا لا هو بالفضيلة ولا هو بالرذيلة الخالصة، إنما خليط عجيب يشبه طبق كشري أُلقي فيه كل ما هبّ ودبّ، ثم قُدِّم للناس على أنه وجبة العصر الخفيفة. وسائل التواصل الاجتماعي ــ يا سادة ــ لم تعد نافذة نطلّ منها على العالم، بل صارت نافذة يُلقى منها العالم خارجًا… قطعة قطعة، وسمعة سمعة، وفضيحة فضيحة.

زمان، كنا نخاف من (الكلام)؛ الكلمة كانت محسوبة، والوشوشة لها ثمن، والنميمة تمشي على أطراف أصابعها خوفًا من الجدران التي لها آذان. اليوم؟ لا جدران ولا آذان، بل مكبّرات صوت، والفضيحة تُبَثّ مباشرة وبخاصية الإعادة، ومعها زر الإعجاب الذي صار شهادة حسن سلوك اجتماعي!

دخلنا عصر «الفضيحة السريعة». لا تحتاج إلى تحقيق ولا دليل ولا حتى عقل راجح. صورة مبتورة، مقطع مقصوص، تعليق من سطرين كتبه شخص غاضب قبل أن يشرب قهوته الصباحية، فتتحول حياة إنسان إلى وليمة عامة. والناس ــ إلا من رحم ربك ــ لا تسأل: أحقّ هذا أم باطل؟ بل تسأل السؤال الأخطر: «وصلت لك؟» وكأن الحقيقة تُقاس بعدد مرات الإرسال.

الخراب الاجتماعي، يا سادة، لا يأتي من اختلاف الرأي، فذلك سنة الحياة، وإنما يأتي من تسطيح العقول وتحويل البشر إلى «بوستات». الإنسان لم يعد إنسانًا، بل محتوى. مشاعره «ترند»، أزمته «هاشتاج»، وكرامته مادة خام قابلة للمشاركة. ومن لم يُفْضَح اليوم، فدوره غدًا، فالدوران هنا سريع، والعدالة تُدار بخوارزمية ، وسائل التواصل ــ كما تُدار الآن ــ صنعت محكمة بلا قضاة، وأحكامًا بلا استئناف، وسجلاً جنائيًا لا يُمحى بزر «حذف». الخطأ ــ حتى لو كان وهمًا ــ لا يُغفر، والتوبة لا تصلح منشورًا، والاعتذار لا يحصد تفاعلاً، لأن الفضيحة وحدها هي التي -تعمل شغل- ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد صارت البيوت نفسها مسارح مفتوحة. الأسر تنشر خلافاتها، والزوجان يتراشقان بالمنشورات، والأبناء يتعلمون أن أول ردّ على أي مشكلة هو تصويرها، لا حلّها. صار الهاتف حكمًا وعدلًا، وصار «الفولوورز» شهود الإثبات، وصارت الخصوصية ذكرى تُروى للأحفاد.

أما الأخلاق ــ يا سلام عليها ــ فقد صارت خيارًا اختياريًا، مثل تفعيل الوضع الليلي. من شاء شغّلها، ومن شاء أغلقها واستمتع بالظلام. السباب يُسمى «جرأة»، والتشهير «كشف حقائق»، والتجسس «فضولًا مشروعًا». هكذا تُلبس الكلمات ثيابًا ليست لها، في موكب لغوي يليق بعصر الأقنعة.

وليس معنى هذا أننا نطالب بإغلاق الهواتف أو العودة إلى الحمام الزاجل ــ مع أنه كان أرحم ــ وإنما نطالب بشيء بسيط جدًا: عقل قبل النشر، وضمير قبل المشاركة، وإنسان قبل الإعجاب. نطالب بأن نعيد للتواصل معناه، وللاجتماع إنسانيته، وللكلمة وزنها الذي فقدته في زحام الأصابع، وسائل التواصل يمكن أن تكون نعمة، لكنها تُدار كأنها نقمة. يمكن أن تكون جسرًا، لكنها صارت حفرة. والفرق بين الاثنين ليس في التطبيق، بل في المستخدم. فإذا ظللنا نكافئ الفضيحة ونُهمل الحكمة، ونرفع الصراخ ونخفض العقل، فلا تلوموا – السوشيال ميديا، بل لوموا مجتمعًا قرر أن يضحك على خراب بيته، ثم يسأل بدهشة: من أين جاء الخراب؟

وأخيرا …. على طريقة زمان ــ نقول: يا سادة، ليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل حقيقة تصلح للنشر. أما إذا استمررنا في هذا السباق المحموم نحو الفضيحة، فسنستيقظ يومًا لنكتشف أننا لم نعد «نتواصل»… بل نتفاضح ونتهشم .