مقالات

هل نحمي المجتمع أم نخيفه.. بقلم عادل رستم

دأبت بعض المواقع والصفحات في الآونة الأخيرة على نشر الجرائم الأخلاقية على نطاق واسع وبشكل لافت وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة لماذا يتم النشر بهذه الكثافة وبهذا الأسلوب

قد يظن البعض أن الهدف هو الوقاية والتحذير أو دق ناقوس الخطر وربما يكون هذا مبررا ظاهريا ومقبولا لدى فئة من المتلقين لكن هناك وجها آخر أكثر تعقيدا لا يمكن تجاهله.

لسنا هنا بصدد تبرير الجريمة أو التقليل من بشاعتها فالجريمة تبقى جريمة مهما كان شكلها أو مبرراتها لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في طريقة التعاطي معها وتحويلها من واقعة تستدعي المعالجة المجتمعية والقانونية إلى مادة يومية للتداول والاستهلاك.

إن هذا النوع من النشر المتكرر يضرب المجتمع في عمق نسيجه ويصنع صورة ذهنية سلبية توحي بأن الانحراف هو القاعدة لا الاستثناء بينما الحقيقة أن كل المجتمعات دون استثناء تضم ظواهر شاذة لا تعبر عن قيمها الحقيقية ولا عن أخلاقيات أغلبيتها.

الخطر الأكبر لا يكمن في نقل الخبر بل في أثره النفسي المتراكم حيث يزرع الخوف ويصنع القلق الدائم ويؤدي إلى تطبيع غير مباشر مع الجريمة عبر تكرار عرضها حتى تصبح مألوفة في الوعي الجمعي.

لسنا مطالبين بالصمت ولا بالتغاضي ولكننا مطالبون بالمسؤولية في النشر وبالتمييز بين التوعية وبين الإثارة وبين التحذير وبين التشويه فالإعلام شريك في البناء كما يمكن أن يكون شريكا في الهدم.

ما نحتاجه هو خطاب واع يضع الجريمة في سياقها الحقيقي ويعالجها دون تهويل ويحمي المجتمع نفسيا وأخلاقيا ويؤكد أن القيم ما زالت حاضرة وأن الشذوذ يظل شذوذا مهما ارتفع صوته أو كثرت صوره.

كما أن الدور لا يجب أن يقتصر على النشر وحده بل يمتد إلى مسؤولية أصيلة تقع على عاتق المؤسسات المعنية سواء كانت إعلامية أو تربوية أو دينية أو قانونية فهذه الجهات مطالبة بأن تمارس دورا فاعلا في التنبيه الواعي القائم على التوجيه لا التخويف وعلى الوقاية لا الإثارة.

ويظل عنصر المحاسبة حاضرا كضرورة لا غنى عنها فغياب المساءلة أو ضعفها يفتح الباب أمام التمادي سواء في ارتكاب الجريمة أو في الترويج لها بشكل غير مسؤول ومن هنا تبرز أهمية تفعيل الأطر القانونية التي تنظم النشر وتحاسب من يتجاوز حدود المهنية أو يسيء إلى السلم المجتمعي.

إن تضافر الجهود بين هذه المؤسسات يضمن تحقيق معادلة دقيقة تحمي المجتمع من الجريمة وتحميه في الوقت ذاته من آثار النشر العشوائي وتؤكد أن الوعي لا يصنع بالضجيج بل بالمسؤولية وأن الردع الحقيقي يبدأ بالقانون ويترسخ بالوعي وينتهي بمجتمع أكثر تماسكاً وأمناً.