
مصر بتشجع نفسها
بقلم : دكتور / السيد مرسى الصعيدي
كاس الأمم الافريقية عبارة عن سفرٌ طويل في جغرافيا النفس المصرية، من قلق البداية إلى نشوة الفوز، ومن فلسفة “لسه بدري علينا نبقى زى المغرب وغيرها ” إلى يقين مفيش مستحيل، كأس الأمم عندنا أشبه بمرآة… نرى فيها أنفسنا كما نحن، لا كما نحب أن نكون، من ملاعب الرمل، ومن فرق الحواري، خرجت تلك العلاقة الخاصة بين مصر والبطولة. سبعة ألقاب لم تأتِ صدفة، بل جاءت من تاريخ طويل من الشغف الشعبي الذي سبق الدولة، وسبق الاتحاد، وسبق الاحتراف.
لو سألت كرة القدم عن جنسيتها، لقالت لك دون تردد: أنا إفريقية.. سمراء.. عنيدة.. وأحب الدراما أكتر من المسلسلات التركية، كأس الأمم الإفريقية ليست بطولة كرة قدم، دي حكاية طويلة اتولدت في مقهى، واتربت في شارع، وكبرت في استاد، واتخرجت من كلية الأعصاب، قسم جلطة الجماهير، لانها الكورة لا تمشى بالقانون، بل تمشي بالنية ، اللي يدخل الملعب وهو ناوي يكسب، غالبًا بيطلع خسران، واللي داخل يطلع متشعلق، يطلع بطل قومه، وصورته تتحط على الاتوبيسات والتورميات جنب آية الكرسي، وعندما تبدأ البطولة، معها يبدأ الشعب المصرى في تقسيم نفسه إلى خبراء تحكيم، ومدربين فاشلين، ورؤساء اتحادات كرة سابقين، و الجماهير في كأس إفريقيا مش بتشجع، دي بتحاكم، تحاكم اللاعب، والمدرب، والخطة، وحتى لون الفانلة للمعلق – حيث أن صافرة البداية في كأس إفريقيا لا تعلن عن مباراة، بل تعلن حالة طوارئ وطنية- ومنتخبنا في إفريقيا يشبه الموظف الحكومي الشاطر، لا يلمع بسرعة، ولا يخلص بدري، لكنه في الآخر “يقفلها” ، لأننا نلعب الشوط الأول وكأننا بنسخّن الغدا، والشوط الثاني نبدأ نفتكر في بطولة، أما الدقيقة التسعين، فهي اللحظة التي نقرر فيها إننا مصريين فعلًا ، وعندما نسجل هدفًا: نفرح بحذر، ونحسب الوقت ونطلب من الحكم يخلصنا بقى ، ننسى كل شيء ونقول:“هو ده منتخب مصر…
وأخيرا …. كأس الأمم الإفريقية ليست بطولة كروية بالنسبة لمصر، إنها سيرة ذاتية تُكتب كل سنتين،
نراجع فيها أعصابنا، وصبرنا، وقدرتنا على الاحتمال، ومنتخب مصر، مهما اختلفت الأسماء وتبدلت الخطط، سيظل ذلك الفريق الذي يدخل البطولة محاصرًا بالآمال، ويخرج منها — إن خرج منتصرًا — محمولًا على الأكتاف، وإن خرج مهزومًا – لا قدر الله ، نحتضنه ونقول له: ولا يهمك… لان مصر لا تدخل كأس الأمم لتجرب حظها، بل لتختبر ذاكرتها.قد تخسر مباراة، لكنها لا تخسر مكانها، وقد تتأخر عن الكأس، لكنه لا يتأخر عنها أبدًا لان عندنا سبعه والثامنة قادمه