مقالات

أدب الاختلاف في الإسلام

كتب – محمد حمدي سعد – شمال سيناء

الاختلاف سُنّة إلهية وحكمة ربانية، ولا شك أنه منظومة قيمية متكاملة ، حيث يؤسس القرآن الكريم لفهم عميق لظاهرة الاختلاف بين البشر، حيث يقرر حقيقة كونية في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: 118-119). هذه الآية المحورية تُقرّ بأن الاختلاف صفة لازمة للبشر، لكنها لا تتركه فوضى، بل تحده بضوابط الرحمة. كما يؤكد القرآن في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (المائدة: 48)، مما يجعل من التنوع اختبارًا إلهيًا للتعامل الحكيم مع التعددية.

وبين تحذير النزاع وتنظيم الاختلاف لقد جاءت النصوص القرآنية لترسم منهجاً واضحاً في التعامل مع ظاهرة الاختلاف الطبيعية، فمن ناحية حذرت من تحوله إلى نزاع مُفْسِد فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46). هذه الآية تُعدّ من أقوى التحذيرات القرآنية، حيث تربط بين النزاع والضعف وفقدان القوة والهيبة (الريح)، مُقدمةً بذلك معادلة اجتماعية سياسية عميقة: الوحدة قوة والفرقة ضعف.

لكن القرآن لم يكتفِ بالتحذير، بل قدم البديل العملي في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9). فجعل الإصلاح والعدل هو الحل، لا القمع أو الإقصاء.

وإليك نموذج متكامل لأدب الاختلاف العملي
أولًا: تصحيح الخطأ بأدب حيث تذكر كتب السيرة أن الصحابة رضوان الله عليهم بعد غزوة بدر أرادوا معاقبة يهود بني قينقاع لنقضهم العهد، فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: “يا رسول الله، قد نقض يهود بني قينقاع العهد، فقم إليهم”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بنو قريظة”، أي أنهم ليسوا بني قينقاع بل بنو قريظة. هنا نرى التصحيح بأدب دون تعنيف أو توبيخ، مع التركيز على تصحيح المعلومة لا تجريح الأشخاص.

ثانياً: الاجتهاد في فهم النصوص واحترام الاختلاف
عندما حاصر المسلمون بنو قريظة بعد نقضهم العهد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة: “لا يُصَلِّينَّ أحد العصر إلا في بني قريظة” (رواه البخاري). فهم بعض الصحابة الأمر حرفيًا فلم يصلوا العصر إلا بعد وصولهم بني قريظة بعد خروج وقت الصلاة، بينما فهم الآخرون أن المقصود الحث على السرعة في السير، فصلوا العصر في الطريق قبل خروج الوقت.

عندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بالاختلاف في الفهم، لم يوبخ أيَّاً من الفريقين، بل أقرَّ كلا الفهمين والاجتهادين، معتبرًا أن كلاً منهما التزم بما فهمه من الأمر النبوي. هذا الموقف النبوي العظيم يُعدّ سابقة تاريخية في احترام تعدد الأفهام والاجتهادات، وهو ما تطور لاحقاً ليصبح قاعدة أصولية: “كل مجتهد مصيب” أو “للمجتهد أجر واحد إن أخطأ وأجران إن أصاب”.

ومن هنا نخرج بالقاعدة الذهبية: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه”
حيث تستند هذه القاعدة الذهبية إلى عدة أصول شرعية منها :
1 – الأصل في العلاقات التعاون لا التنازع: يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2). فهذا توجيه عام للتعاون على القواسم المشتركة.

. 2 – التيسير ورفع الحرج: يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78). والاختلاف في الفروع من رحمة الله ورفع الحرج عن الأمة.

. 3 – حرمة التفرق والتنازع: يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (آل عمران: 105).

وليكون كلامنا واضحًا إليك تطبيقات القاعدة في التراث الإسلامي
التطبيق الأول: اختلاف الصحابة في الفروع مع اتحادهم في الأصول
عاش الصحابة رضوان الله عليهم هذه القاعدة عمليًا، فكانوا يختلفون في المسائل الفرعية (كصلاة الخوف، وتفاصيل العبادات، وفهم بعض النصوص) مع بقائهم متعاونين على أساسيات الدين، متآخين في الله.

التطبيق الثاني: تنوع المذاهب الفقهية
ظهرت المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي) كتطبيق عملي لهذه القاعدة، حيث اختلف الأئمة في العديد من المسائل الفرعية (يقدرها بعض العلماء بنحو ثلث الفقه)، ومع ذلك تعايشت المذاهب وتكاملت، وشكّلت ثراءً فقهيًا للأمة، ولم تتحول الاختلافات إلى صراعات، بل كانت محل احترام وتقدير.

التطبيق الثالث: التعامل مع المخالف في العقيدة
حتى في مجال العقيدة، وضع العلماء قواعد للتعامل مع المخالف، كقول الإمام الشاطبي: “الخلاف في الفروع لا يفسد للود قضية”، وقول الإمام ابن تيمية: “إن الله تعالى يغفر للأمة الخطأ في المسائل الاجتهادية”، وكلاهما يستند إلى الحديث النبوي: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر” (رواه البخاري ومسلم).

وبناءً على النصوص السابقة، يمكن استخلاص منهجية عملية للتعامل مع الاختلاف على محاور منها :
1 – مرحلة الاعتراف بالاختلاف: كحقيقة طبيعية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.

. 2 – مرحلة ضبط النفس: بتطبيق قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34).

. 3 – مرحلة البحث عن المشترك: تطبيقاً للقاعدة الذهبية “نتعاون فيما اتفقنا عليه”.

. 4 – مرحلة الحوار الهادئ: بتطبيق قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

. 5 – مرحلة تقبل التعدد: كما في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من اختلاف الصحابة في صلاة العصر.

. 6 – مرحلة التوافق على الآداب: كالتزام قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (الأنعام: 108).

. 7 – مرحلة تجنب النزاع: بالتحذير من قوله تعالى: ﴿(وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ) مما يوجههنا .نحو ثقافة اختلاف حضارية.

لذا خلاصةً إن أدب الاختلاف في الإسلام ليس مجرد نظرية أخلاقية، بل هو نظام متكامل يجمع بين الاعتراف بالتنوع كسنة إلهية، والتحذير من تحوله إلى نزاع مُفْسِد، ووضع ضوابط عملية للتعامل معه. وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج في سيرته، من خلال مواقف عملية كموقفه من اختلاف الصحابة في فهم أمره بعدم صلاة العصر إلا في بني قريظة، وتصحيحه لأخطائهم بأدب كما في خلطهم بين بني قينقاع وبني قريظة.

والقاعدة الذهبية “نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه” تمثل خلاصة هذا المنهج، فهي تجمع بين المبدأ القرآني في التعاون على البر والتقوى، والحديث النبوي في أجر المجتهد حتى إن أخطأ. وهكذا يصبح الاختلاف مصدر ثراء وتكامل، لا سبب فرقة وتنازع، وهذا هو سر قوة الأمة وتماسكها كما وعد الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).