مقالات

جيل بلا ذاكرة.. د. عماد خالد

لم تعد صناعة الوعي فعلا ثقافيا بريئا، ولا عملية تراكمية تقودها النخبة أو المؤسسات التعليمية أو الإعلام التقليدي، بل تحولت إلى منتج رقمي تتحكم فيه خوارزميات لا يرى الإنسان إلا رقما، ولا تقيس الفكرة إلا بقدرتها على إثارة الغضب أو حصد التفاعل.

نحن لا نعيش أزمة معرفة، بل أزمة ذاكرة عامة جيل يرى كل شيء… ولا يحتفظ بشيء.

الخوارزميات لا تهتم بالحقيقة ولا بالعدالة ولا بالمصلحة العامة. معيارها الوحيد هو: ما الذي يُبقيك أطول وقت ممكن أمام الشاشة؟ ولهذا تقدم المعلومة مبتورة، والحدث معزولا عن سياقه، والقضية بلا تاريخ. فالتفكير العميق لا يدر أرباحا، بينما الصدمة السريعة تفعل.

هكذا يُعاد تشكيل الوعي الجمعي لا عبر الإقناع، بل عبر الإغراق ؛ إغراق بالمحتوى، إغراق بالآراء، إغراق بالانفعالات … حتى يفقد العقل قدرته على التمييز، وتفقد الذاكرة قدرتها على التراكم.

في هذا العالم الرقمي، لا يمنح الحدث فرصة ليصبح درسا، ولا تمنح المأساة وقتا لتتحول إلى وعي. كل شيء قابل للاستبدال. دمعة تُزاحمها فضيحة، وفضيحة تُدفن تحت ترند، وترند يُنسى قبل أن نسأل: لماذا حدث كل هذا أصلا؟

الأخطر من النسيان هو الوهم بالمعرفة ؛ فالمستخدم يظن أنه مطلع ؛ بينما هو محاصر داخل فقاعة خوارزمية تطعمه ما يحب، وتقصي ما يزعجه، وتعيد تدوير قناعاته حتى تتحول إلى يقين متصلب. وهنا لا ينشأ الاختلاف، بل يولد التعصب، لا بوصفه موقفا فكريا، بل نتيجة طبيعية لعقل لم ير سوى نسخة واحدة من العالم.

هذا الجيل لا يفتقد المعلومات، بل يفتقد السردية ، يعرف النتائج دون المقدمات، ويطلق الأحكام دون فهم المسارات، ويتبنى المواقف دون إدراك العواقب. ومع غياب السردية، تموت الذاكرة، لأن الذاكرة لا تحفظ الوقائع، بل تحفظ المعنى.

وإذا كانت الذاكرة الجماعية هي أساس الهوية، فإن العبث بها ليس مسألة ثقافية فقط، بل مسألة أمن مجتمعي ؛ فالمجتمع الذي ينسى سريعا، يدار بسهولة، ويستثار بسهولة، ويعاد توجيهه دون مقاومة تذكر.

هنا يبرز السؤال الأخطر: هل يمكن ترك تشكيل الوعي العام بالكامل لمنصات عابرة للحدود، لا تخضع لرقابة وطنية، ولا لمسؤولية سياسية، ولا لمساءلة قانونية حقيقية؟

إن حرية التعبير لا تعني ترك المجال العام رهينة لخوارزميات غامضة، تتحكم في ترتيب الأولويات، وتوجيه الاهتمام، وصناعة الغضب أو التهدئة وفق مصالح اقتصادية بحتة ، كما أن السيادة لم تعد تنتهك فقط عبر الحدود، بل عبر الوعي.

نحن بحاجة إلى نقاش جاد حول المسؤولية القانونية للمنصات الرقمية، وحق المجتمع في الشفافية الخوارزمية، وحدود التدخل المشروع للدولة لحماية الذاكرة العامة دون مصادرة الرأي ؛ فالدولة التي لا تحمي وعي مواطنيها، ستجد نفسها يوما ما تحكم شعبا حاضرا جسديا… غائبا ذهنيا . والأمم لا تسقط فقط حين تهزم عسكريا، بل حين تنسى… لماذا كانت تقاتل أصلا.

في السياق المصري، تبدو المسألة أكثر حساسية. فالمجتمع الذي يمتلك تاريخا طويلا من التراكم الحضاري، لا يحتمل أن تختزل ذاكرته في مقاطع قصيرة، أو يعاد تعريف قضاياه الكبرى عبر منصات لا تعرف عنه سوى عدد المشاهدات . الخطر هنا ليس في اختلاف الآراء، بل في تفريغ الذاكرة الوطنية من مضمونها، وتحويل القضايا العامة إلى لحظات انفعال عابر، لا تعيش أكثر مما يعيش الترند نفسه.

في مصر حيث تختلط السياسة بالاجتماع، والتاريخ بالوجدان، يصبح العبث بالوعي الجمعي عبثا بالاستقرار ذاته. فحين تقدم الأحداث بلا سياق، وتجتزأ الوقائع ، ويعاد تدوير نصف الحقيقة ، لا يعود المواطن قادرا على التمييز بين النقد الواعي والهدم، ولا بين المعارضة الوطنية والفوضى الرقمية. وهنا لا يصنع الرأي العام، بل يستدرج.

المطلوب ليس تكميما، ولا وصاية فكرية، بل مسؤولية مشتركة ، إعلام يفهم طبيعة اللحظة الرقمية، ومؤسسات تدرك أن معركة الوعي لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى، وتشريع يوازن بين حرية التعبير وحماية الذاكرة الوطنية من التلاعب والاختزال.