
جمال الدنيا في ظلال الطاعة
كتب محمد حمدي سعد – شمال سيناء
حين تصير النية عبادة ، فالدنيا مرآة القلب ، ولكي نقرب الصورة لتكون أكثر وضوحًا لا شك أن الدنيا، ذلك المسرح الواسع الذي تدور عليه أحداث حياتنا، كثيرًا ما يُصوَّر في أذهان الناس على أنها دار شقاء ومكان مؤقت للابتلاء، لكن النظرة الإسلامية تمنحنا رؤية أكثر اتزانًا وعمقًا.
فالدّنيا في المنظور الإسلامي ليست شرًا محضًا، ولا هي غاية في ذاتها، بل هي مزرعة الآخرة، وجمالها الحقيقي لا يكمن في زخارفها الزائلة، بل في قدرتها أن تكون جسرًا يعبر به المؤمن إلى رضوان الله. فالدنيا جميلة حقًا عندما تُرى بعين الإيمان، وتُعاش بمنطق الطاعة، وتُختَبَر بنية صادقة تبحث عن مرضاة الله في كل صغيرة وكبيرة.
والنية البوصلة التي تحوّل العادة إلى عبادة – حديث “إنما الأعمال بالنيات” ففي صميم التصور الإسلامي للحياة يكمن مفهوم النية، ذلك القلب الخفي للأعمال، والمحور الذي تدور حوله قيمة الأفعال عند الله تعالى. وهذا المبدأ العظيم تجسده الحديث النبوي الشريف الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ”.
من حيث السند (السند): يعتبر هذا الحديث من أجلّ الأحاديث وأصحها. اتفق أئمة الحديث على صحته، وهو متفق عليه، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهما أعلى كتب الحديث مرتبة.
فالحديث غاية في الإحكام والبلاغة، فهو يحتوي على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، بل قال بعض العلماء إنه يدخل في ثلث العلم لكثرة ما يتفرع عنه من أحكام. لفظه مختصر وجامع، واضح في معناه، عميق في دلالته، وقد شهد العلماء له بأنه أصل عظيم من أصول الدين.
في هذا القول النبوي العظيم تتجلى فلسفة إسلامية عميقة في التعامل مع الحياة، حيث لا يكون الفعل مجرد حركة مادية، بل تحوله النية الصالحة إلى لقاء بين العبد وربّه.
إن هذا المبدأ النبوي – مبدأ علوِّ شأن النية – لا ينفصل عن التوجيه القرآني الذي يجعل كيان الإنسان كله، حياته ومماته، عبادة خالصة لله. وهذا ما تؤكده الآية الكريمة من سورة الأنعام، حيث يقول الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام ويأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يعلنها صريحة: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].
هذه الآية هي التطبيق العملي والشامل لمعنى “إنما الأعمال بالنيات”. فهي لا تقصر العبادة على الشعائر (الصلاة والنسك) بل تمتد بها لتشمل المحيا كله والممات أيضًا. عندما يكون المحيا والممات لله، فإن كل فعل داخل في نطاق الحياة والموت – من أكل وشرب ونوم وعمل وعلاقات – يصبح عبادة إذا صحت النية، وتوافق مع شرع الله.
ما أروع أن تتحول أبسط العادات اليومية إلى مناجاة خفية بين العبد وخالقه! عندما ينوي المسلم بأكله وشربه أن يقوّي بدنه على طاعة الله، يتحول الطعام من مجرد إشباع غريزي إلى عبادة. وعندما ينام بنية الاستراحة ليقوم لصلاة الفجر بنشاط، يتحول النوم من حاجة بيولوجية إلى طاعة.
وحين يعمل في دنياه بنية الكسب الحلال لإعالة أسرته وإغناء نفسه عن سؤال الناس، يتحول العمل من مجرد جهد مبذول إلى صدقة وجهاد. بهذه النية – المستندة إلى الحديث، والمستشعرة لمعنى الآية – تصير الحياة سلسلة متصلة من العبادات، حيث يسبح المؤمن في محيط من الطاعة في كل حركة وسكنة. لا يعود هناك فصل بين ما هو ديني ودنيوي، بل تصير الدنيا بمجملها مسجدًا يتعبد فيه العبد لله بكل كيانه، محققًا قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وبهذا تصبح الدنيا روضة للمؤمن الواعي بنيته ، في الختام، الدنيا بالنسبة للمؤمن الواعي ليست سجنًا ولا جحيمًا، بل هي روضة يجد فيها مساحة للعبادة في كل شيء عبر صلاح نيته، وهي مدرسة يتعلم فيها دروس الإيمان، ومسرح يمارس فيه أسمى معاني العبودية. جمالها الحقيقي يتحقق عندما نعيش بقلوب واعية، تجمع بين تطبيق حديث “إنما الأعمال بالنيات” في تفاصيل الحياة، واستحضار معنى آية {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} كإطار شامل لها.
فلنحسن النية في كل شيء، ولنجعل من حياتنا كلها – في محياها ومماتها – خالصة لوجه الله الكريم، فحينئذ سنذوق طعم الحياة الطيبة الحقيقية، الحياة التي تزكو فيها النفس، وتسمو فيها الروح، وترتفع فيها الهمة إلى سماء القرب من الله، مصداقًا لقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}.