الثقافة والتراث

حضور الأدب الشعبي في المشهد الثقافي

جاءت الجلسة تحت عنوان “حضور الأدب الشعبي في المشهد الثقافي الراهن”، وأدارها الشاعر محمد ناجي، حيث استهلت بمناقشة البحث الأول بعنوان “الخصوصية الثقافية في المسرح المصري – الفلاح الفصيح نموذجا”، قدمه الدكتور عبد الكريم الحجراوي.

وأكد الحجراوي أن شخصية الفلاح المصري حضرت بقوة في المسرح المصري قبل ثورة يوليو 1952 وبعدها، إلا أن معالجتها اختلفت جذريا بين المرحلتين؛ إذ قدمت في المرحلة الأولى غالبًا بصورة هزلية، بينما سعت المرحلة اللاحقة إلى الدفاع عن حقوقه وفضح مستغليه، وتقديمه رمزا لمصر وبانيها الحقيقي.

وأوضح أن صورة الفلاح قبل يوليو غلب عليها الطابع الكوميدي، بوصفها امتدادا لصوره في فنون الأداء الشعبية مثل خيال الظل والأراجوز والمحبظين، الذين كانوا يقدمون عروضهم في حفلات الزواج والختان والساحات العامة.

كما استعرض عددا من الحكايات الشعبية التي تناولت صورة الفلاح الفقير الذي يتعرض للاستغلال والظلم في إطار ساخر يعكس واقعا اجتماعيًا قاسيا، مشيرا إلى أن هذه الصورة الهزلية استمرت في المسرح الوافد، كما في مسرحية “دخول الفلاح العسكرية” عام 1909، وغيرها من الأعمال التي كرست الطابع الكوميدي لشخصية الفلاح قبل ثورة يوليو.

وأضاف أن حكاية “الفلاح الفصيح” تعد من أقدم وأهم النماذج الأدبية التي جسدت قيمة العدل في الثقافة المصرية، لما تحمله من رؤية أخلاقية وإنسانية عابرة للزمن، مؤكدا أن استمرار استلهامها في المسرح الحديث يعكس قدرة التراث الشعبي على التفاعل مع الواقع المعاصر واستشراف المستقبل.

وأشار إلى أن اهتمام الدولة بقضايا الريف عقب ثورة يوليو أسهم في ظهور تجارب مسرحية موجهة للفلاحين، من أبرزها مسرح الفلاحين بالمنصورة الذي أسسه الفنان سرور نور عام 1960، إلى جانب عدد من الفرق المسرحية التي نقلت عروضها إلى القرى، بعيدا عن مركزية القاهرة، مؤكدا أن هذه التجارب لعبت دورا مهما في ترسيخ المسرح كأداة للوعي الثقافي والاجتماعي في الريف المصري.

واختتم الحجراوي حديثه بالتأكيد على أن استعادة التراث، وفي مقدمته حكاية الفلاح الفصيح، لا تعني تكرار الماضي، بل إعادة تأويله بما يخدم الحاضر، ويسهم في بناء رؤية ثقافية مستقبلية تعزز الوعي بالهوية المصرية وقيم العدل والإنصاف.

وشهدت الجلسة كذلك مناقشة البحث الثاني بعنوان “حضور الأدب الشعبي في المشهد الراهن.. استلهام الفولكلور والتراث الشعبي”، قدمه عطا الله الجداوي، حيث أكد أن الأدب الشعبي يمثل أحد أبرز مكونات الثقافة الوطنية، لما يحمله من مخزون رمزي ومعرفي يعكس التجارب اليومية والقيم الاجتماعية والوجدان الجمعي للمجتمع.

وأشار إلى أن حضور الأدب الشعبي المعاصر لا يقتصر على الذاكرة الشفاهية، بل يمتد إلى مجالات الفنون والمسرح والموسيقى والتعليم والإعلام الجديد، مؤكدا أن تراث سيناء يعد نموذجا ثريا يجسد تلاقي الأصالة بالتحدي، بما يحمله من قيم الكرم والشجاعة والوفاء والانتماء للأرض، بوصفه وثيقة حية لتجارب الإنسان في بيئة قاسية وتاريخ طويل من الصمود.

واختتم الجداوي حديثه بالتأكيد على أن الأدب الشعبي يظل موردا ثقافيا حيا قادرا على الإسهام في بناء مشروع وطني ثقافي متجدد.