آراء وتحليلاتالثقافة والتراث

حين تستعيد الجغرافيا صوتها ويسترد التاريخ روحه ..

بقلم الشاعر  إبراهيم حامد

رئيس نقابة اتحاد كتاب مصر بالشرقية وسيناء ومحافظات القناة 

لم يكن اختيار مدينة العريش عاصمة ثقافية لمصر عام 2026 قرارًا إداريًا عابرًا ، ولا لفتة رمزية مؤقتة ، بل كان فعلًا ثقافيًا وطنيًا عميق الدلالة ، يفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة الجغرافيا المصرية بوصفها نصًا حيًا ، ولإعادة الاعتبار لسيناء باعتبارها قلبًا نابضًا من قلوب الهوية المصرية ، لا هامشًا بعيدًا عنها. 

لقد جاء هذا الاختيار فى توقيت بالغ الأهمية ، بعد سنوات من الصمود ، والمواجهة ، وإعادة البناء ، ليؤكد أن الثقافة هى الوجه الآخر للأمن ، وأن الكلمة لا تقل أثرًا عن الفعل ، وأن الوعى هو خط الدفاع الأول عن الأوطان.

العريش ليست مدينة طارئة على التاريخ ، بل ضاربة الجذور فى عمق الحضارة المصرية والعربية ، شاهدة على تعاقب الأزمنة ، وملتقى طرق بين الشرق والغرب ، وذاكرة مفتوحة على البحر والصحراء والإنسان ، اختيارها عاصمة ثقافية هو استدعاء واعٍ لهذه الذاكرة ، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة لا بوصفها منطقة عبور ، بل فضاءً للإبداع ، وحاضنة للثقافة ، ومنصة للحوار . وبصفتى رئيس النقابة الفرعية لاتحاد كتاب مصر بالشرقية وسيناء والسويس ، نتمنى اقامة مؤتمر النقابة بمدينة العريش عاصمة الثقافة فى مصر.

كما جاء انعقاد مؤتمر أدباء مصر فى سيناءبمدينة العريش ليمنح هذا الاختيار مصداقيته العملية ، لا النظرية فقط ، فقد خرج المؤتمر من القاعات المغلقة إلى فضاء الوطن ، ومن الخطاب العام إلى المعايشة الحقيقية ، لم يكن الأدباء ضيوفًا عابرين ، بل شهودًا على واقع ثقافى وإنسانى يتشكل ، وعلى إرادة واضحة لإعادة دمج سيناء فى المشهد الثقافى المصرى ، لا كقضية ، بل كجزء أصيل من النسيج الوطنى.

وما تركه المؤتمر فى الوعى الجمعى للمشاركين يتجاوز أوراق العمل والجلسات النقدية ، لقد أعاد ترتيب الأسئلة ، كيف يمكن للثقافة أن تكون جسرًا للتنمية ؟
وكيف تتحول الكتابة إلى فعل مشاركة لا مجرد وصف ؟
وكيف يصبح الأدب شاهدًا على التحولات لا مجرد أرشيف لها ؟

لقد بدا واضحًا أن الواقع الثقافى بعد المؤتمر أكثر انفتاحًا على سيناء ، وأكثر وعيًا بخصوصيتها ، وأكثر إيمانًا بأن دمج الأطراف فى المركز لا يتم بالشعارات ، بل بالحضور والاستماع ، والإنصات المتبادل.

أما الزيارة الإنسانية لسيناء ، فكانت هى النص الأكثر صدقًا  فقد لمس المشاركون كرمًا فطريًا لا يُفتعل ، وأصالة لا تُدرَّس ، ووعيًا وطنيًا متجذرًا فى تفاصيل الحياة اليومية . أهل سيناء لم يقدموا صورة نمطية عن أنفسهم ، بل قدموا إنسانًا مصريًا كامل الانتماء ، عميق الجذور ، واعيًا بالتاريخ ، ومتشبثًا بالمستقبل . فى الوجوه ، وفى الحديث ، وفى تفاصيل الاستقبال ، كان هناك شعور ثابت بأن هذه الأرض تعرف أبناءها ، وتعرف من يأتيها بمحبة ، وترد التحية بكرامة.

إن اختيار العريش عاصمة ثقافية لمصر 2026 هو إعلان واضح بأن الثقافة ليست ترفًا ، بل فعل استعادة للمعنى وللأرض ، وللإنسان . هو رسالة تقول إن مصر لا ترى أطرافها بعين المركز فقط ، بل تراها بعين القلب ، وإن سيناء ليست ملفًا أمنيًا فقط ، بل مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا مفتوحًا على المستقبل.

وفى هذا السياق يصبح دور الأدباء والمثقفين أكثر إلحاحًا أن يحولوا هذه اللحظة إلى مسار ، وأن يكتبوا سيناء لا من الخارج ، بل من داخل التجربة، وأن يظلوا أوفياء لفكرة أن الكلمة حين تلامس الأرض ، تصبح وطنًا.

إبراهيم حامد