الثقافة والتراث

رؤية ثقافية وشهادة شخصية حول مؤتمر أدباء مصر بالعريش

واختيارها عاصمةً للثقافة المصرية لعام 2026

الكاتب الروائي عبدالله السلايمة

يمثّل اختيار مدينة العريش لاستضافة مؤتمر أدباء مصر، وتكريسها عاصمة للثقافة المصرية لعام 2026، خطوة بالغة الدلالة، تتجاوز بعدها الاحتفالي إلى أفق ثقافي وطني أعمق. فهذا الاختيار ليس مجرّد حدث ثقافي عابر، بل رسالة واضحة تؤكّد أن الثقافة المصرية حاضرة في كل جغرافيا الوطن، وأن سيناء ليست هامشًا، بل قلب نابض بالهوية والتاريخ والإنسان.

إن عقد مؤتمر أدباء مصر في مدينة العريش يحمل قيمة رمزية كبيرة؛ إذ يعيد الاعتبار للمكان بوصفه فضاء للإبداع والحوار، ويؤكّد قدرة الكلمة على أن تكون جسرًا بين المركز والأطراف، وبين الذاكرة الوطنية والراهن الثقافي. كما يفتح المجال أمام الأدباء والمثقفين للاحتكاك المباشر بخصوصية سيناء الإنسانية والثقافية، بعيدًا عن الصور النمطية أو التمثيلات الإعلامية المختزلة.

ومن خلال المشاركة الفعلية في مؤتمر أدباء مصر بالعريش، تتجلّى أهمية اللقاء الثقافي بوصفه فعل معرفة وتواصل. فقد أتاح المؤتمر مساحة حقيقية لتبادل الرؤى، والاستماع إلى أصوات متعددة، ومناقشة قضايا الأدب المصري في سياقها الوطني الأشمل. وكان للحضور المكاني أثر واضح في إعادة تشكيل وعي المشاركين بطبيعة المدينة، وبثراء نسيجها الاجتماعي، وبقدرتها على احتضان الفعل الثقافي بكرامة ودفء.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل البعد العام للمؤتمر عن التجربة الشخصية التي عشتها خلاله. فقد شرفت بتكريمي في المؤتمر، وتكريمي لم يكن مجرّد لحظة عابرة أو لقب يُضاف إلى مسيرتي الأدبية، بل كان شعورًا عميقًا بالاعتراف والامتنان لما بُذل عبر سنوات من السرد والكتابة. شعرت وكأن هذا التكريم يسلّط الضوء على كل كلمة كتبتها، وعلى كل قصة أو رواية حاولت من خلالها فهم الإنسان ومحيطه، وحياته اليومية في شمال سيناء، تلك التفاصيل الصغيرة التي تحمل معاني كبيرة وعمقًا إنسانيًا.
لقد كانت شمال سيناء، ولا تزال، مصدرًا لا ينضب للإلهام. هنا تعرّفت إلى حكايات الإنسان البسيط: صراعاته وأحلامه، آماله وأحزانه. وتعلّمت أن الأدب ليس مجرّد سرد للأحداث، بل هو توثيق للهوية، ونقل لصوت الإنسان في بيئته، وإظهار لما يعيشه وما يحلم به. وحين يُكرَّم هذا العمل، أشعر وكأن صوت هذه الأرض، وصوت أهلها، قد وجد فرصة لأن يُسمع ويُقرأ، وأن صدى حياتهم اليومية يصل إلى كل من يطالع كتاباتي.

إن هذا التكريم يمنح الكاتب طمأنينة نادرة؛ طمأنينة أن ما يُكتب في العزلة، وما يُقال أحيانًا في الهامش، يجد من يُصغي إليه، ويؤمن بأن الثقافة فعل حياة، وأن الإبداع أحد أشكال المقاومة ضد النسيان والتهميش. وهو في الوقت ذاته تأكيد على أن الكتابة المنبثقة من الواقع المحلي، ومن التفاصيل الدقيقة للمجتمع والإنسان، لها مكانتها في المشهد الأدبي المصري المعاصر، وقادرة على إثراء الأدب الوطني بصوتٍ صادق وواقعي.

كما يضعني هذا التكريم أمام مسؤولية جديدة، وتحدّ دائم للارتقاء بالكتابة، لتكون أكثر قدرة على نقل تجارب الإنسان والمجتمع، وأكثر وفاء للمكان وللروح الإنسانية التي أسعى لأن تصل إليها كلماتي. إنه شعور يجمع بين الامتنان العميق والفخر بمكانة الصوت الأدبي، وبين إحساس بالمسؤولية تجاه الكتابة والمجتمع، وهو ما يدفعني إلى مواصلة العطاء بشغف وإخلاص، لتظل الكلمة مرآة صادقة للواقع، حاملة لآمال الإنسان وهمومه، وموثّقة لتجربة بيئة لم تُكتب عنها بعد بما تستحقه من اهتمام واعتبار.

وفي المحصّلة، فإن اختيار العريش عاصمةً للثقافة المصرية لعام 2026، وعقد مؤتمر أدباء مصر فيها، ليس احتفاءً بالمكان فحسب، بل استثمار في الوعي الوطني، وتأكـيد على أن الأدب، حين يلتقي بالمكان والإنسان، يتحوّل إلى مساحة للحوار والتواصل، ويجعل من التجربة المحلية تجربة إنسانية أوسع، قادرة على الارتقاء بالوعي الجمعي، وربط الخاص بالعام، والذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية.