مقالات

سنين عجاف وأمل ممكن.. بقلم الكاتب والمؤلف إبراهيم سالم البياضي

سيناء مرت على دروبها الأنبياء وكرمت من قبل السماء وذكرت في القرآن باسم سنين الذي عرف بعد ذلك باسم سيناء وباركها الله بقربها من المسجد الأقصى كما جاء في القرآن وكانت وما زالت ملتقى الوديان بين البحر المتوسط والبحر الأحمر وتقع في الركن الشمالي الشرقي من مصر وهي بوابة مصر البرية المطلة على آسيا وأوروبا هكذا اختارها رب العباد لتكون بوابة يلتقي فيها العالم من الشرق إلى الغرب ومن آسيا إلى إفريقيا
موقع متميز وفريد من نوعه جغرافية قلما تجدها في أي محافظة جبال وهضاب ومرتفعات وسهول ووديان وبيئة معتدلة وكانت ملتقى الحضارات من كل دول العالم فامتزج أهلها بثقافات عديدة منها البدوية العربية والشامية والأوروبية وكل هذه الثقافات أثرت وتأثرت فكونت لأهلها مزيجا ثقافيا ثريا.

فالبدو السكان الأصليون بعد الفراعنة جاءوا من الجزيرة العربية قبل الإسلام وسكنوا سيناء ناقلين معهم عادات وتقاليد بدو الجزيرة العربية ثم مع الوقت ومن خلال الهجرات انتقلت الثقافة الشامية وخاصة في المأكولات والملابس والغناء فنجد في سيناء تشابها واضحا مع بادية الشام وفلسطين والأردن في الثوب البدوي والبرقع والعقال العربي والتنورة والكوفية والغناء والرقص الشعبي والألعاب التراثية كما تأثرت أيضا بالبدلة الأوروبية نتيجة الاحتلال الأوروبي والعثماني والتركي لسيناء.

كل هذا جعل من سيناء مكونا اجتماعيا غنيا بالتراث والثقافة فكانت فعلا ثقافيا ومقصدا للشعراء وكتب عنها شعراء مصر ومنهم الشاعر أحمد شوقي ولكن نظرا لأهمية سيناء السياسية والاقتصادية والعسكرية توالت عليها الحروب من حرب ستة وخمسين إلى سبعة وستين ثم حرب النصر ثلاثة وسبعين.

وبدأت الدولة في الاهتمام بسيناء وانطلقت المشروعات الكبرى حتى جاء عام ألفين وثلاثة عشر فزادت الأطماع وتحولت سيناء إلى ساحة حرب بين تنظيم داعش وبين الجيش والشرطة وانضم إليهم أبناء سيناء فيما عرف باتحاد قبائل سيناء وتم القضاء على الإرهاب في عام ألفين وثلاثة وعشرين
وكان من محاولات الإرهاب هدم الثقافة بتدمير متحف التراث السيناوي عام ألفين وخمسة عشر وظلت سيناء سنين عجاف تحاول أن تجد لنفسها مكانة بين محافظات مصر وكانت هناك محاولات لا بأس بها فتكونت الفرقة القومية الشعبية لشمال سيناء واجتهد الشعراء والكتاب وأنجبت سيناء عمالقة في الثقافة والإعلام إلى جانب المجاهدين ولا يتسع المقام لذكر الأسماء.

وبعد أن عادت سيناء إلى الأمن والأمان بفضل قواتها من الجيش والشرطة وبحكمة قائدها الرئيس عبد الفتاح السيسي انتصرنا على الإرهاب وتمت إعادة متحف التراث السيناوي إلى الحياة مرة أخرى إلى جانب تجديد قصر ثقافة العريش وإعادة نوادي الأدب وإحياء وتحديث الفرقة القومية
وكانت خطابات السيد الرئيس ذات مفعول السحر حين طالب بزيارة سيناء والتلاحم مع أهلها فانطلقت القوافل الثقافية والدينية والشبابية إلى شمال سيناء وبدأ العمل الحقيقي وجاء دور الثقافة.

تم عقد مؤتمر الصناعات الثقافية والإبداعية شمال سيناء نموذجا لتبدأ الثقافة بكل مكوناتها في زيارة شمال سيناء وجاء أطلس مصر للمأثورات الشعبية لحصر ورصد وتوثيق التراث السيناوي ثم جاء البيان الرسمي من خلال وزير الثقافة ليعلن أن شمال سيناء عاصمة الثقافة المصرية لعام ألفين وستة وعشرين بعد موافقة محافظ شمال سيناء اللواء خالد مجاور
فتح هذا القرار الباب أمام المثقفين والمبدعين لإثراء الحركة الثقافية في شمال سيناء حيث حضر أكثر من ثلاثمائة أديب وشاعر ومثقف إلى عاصمة الثقافة المصرية وعقد مؤتمر أدباء مصر في دورته السابعة والثلاثين على أرض شمال سيناء بحضور معالي وزير الثقافة الفنان أحمد هنو ومحافظ شمال سيناء.

وأعلن المؤتمر تغيير مسمى مؤتمر أدباء مصر إلى مؤتمر الثقافة المصرية من هنا من شمال سيناء ليظل هذا الحدث عالقا في ذاكرة التاريخ لسنوات طويلة.

سيناء تستحق مشروعا ثقافيا كبيرا يخلد ذكرى الأبطال المجاهدين ويخلد ذكرى الضباط من الجيش والشرطة واتحاد قبائل سيناء الذين ظلوا عشر سنوات في حرب مع عصابات لا تظهر إلا في الظلام ومن هنا نناشد كل المهتمين بالثقافة والإعلام بإلقاء الضوء على هذه البطولات من خلال أعمال درامية على الشاشة تظهر المعدن الأصيل لأبناء سيناء.

لقد مرت السنين العجاف وجاء الأمل حاملا في طياته الخير لسيناء
إن مؤتمر أدباء مصر كان نقلة نوعية في تحديد الخطاب الثقافي عن شمال سيناء وأسهم في تغيير الصورة النمطية التي تختزل سيناء في خيمة وجمل دون إنكار أن هذا جزء من تراثنا الأصيل لكن تعاقب الأجيال ودخول عالم الحداثة جعل الدولة تعيد التفكير في بناء الهوية السيناوية.

فإذاعة شمال سيناء كان لها أثر كبير في التوعية الثقافية وجاء مؤتمر أدباء مصر بندواته وموائده المستديرة وزياراته الميدانية ليحدث أثرا عميقا في إحياء ثقافة شمال سيناء وجعل اختيار شمال سيناء عاصمة للثقافة المصرية سيناء محط أنظار الجميع.

الخير قادم بعون الله والأمل متجدد دائما.