
مؤتمر أدباء مصر يبحث آفاق الصناعات الثقافية ودورها في التنمية والأمن الثقافي
باحثون بمؤتمر أدباء مصر: الصناعات الثقافية ركيزة أساسية للقوة الناعمة والأمن الثقافي
شهد قصر ثقافة العريش الجلسات البحثية للمؤتمر العام لأدباء مصر، جلسة تحت عنوان “الصناعات الثقافية المصرية وفاعليات القوى الناعمة”، وأدار الجلسة الكاتب والباحث حاتم عبد الهادي.
وناقشت الجلسة ثلاثة أبحاث، الأول بعنوان “الصناعات الثقافية الإبداعية ومؤتمر أدباء مصر”، قدمه الدكتور إبراهيم عطية، تناول خلاله طبيعة العلاقة بين الصناعات الثقافية الإبداعية ومؤتمر أدباء مصر، ودورهما المشترك في دعم وتعزيز القوة الناعمة المصرية.
وأوضح عطية أن الصناعات الثقافية في مصر تمثل قطاعا واعدا يجمع بين الإبداع والفكر والاقتصاد، ويعد أحد أهم مصادر القوة الناعمة الوطنية، لما يسهم به في ترسيخ الهوية الثقافية وتصدير الصورة الحضارية لمصر في المحافل الدولية، مؤكدا أنها من أبرز مكونات الاقتصاد الإبداعي المعاصر، ورافد أساسي للتنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى أن مؤتمر أدباء مصر يشكل منصة وطنية مهمة للحوار حول قضايا الثقافة والإبداع ودور المثقف في المجتمع، بما يسهم في تنظيم الحركة الأدبية والفكرية ضمن رؤية تنموية شاملة، لافتا إلى أن المؤتمر يمثل نموذجا متفردًا لتلاقي الفكر والإبداع والسياسة الثقافية، ويمكن – عبر تفعيل آلياته ورؤاه الاستراتيجية – أن يتحول إلى مركز وطني للإنتاج الثقافي والمعرفي، يسهم في صياغة السياسات الثقافية، ويعزز التواصل بين الأدباء وصناع القرار.
كما تناول عطية دور الأدب المصري بوصفه أحد أعمدة القوة الناعمة التي رسخت الحضور الثقافي لمصر عربيا ودوليا، من خلال أعمال رموز أدبية بارزة مثل نجيب محفوظ وطه حسين ويوسف إدريس وصلاح عبد الصبور، والتي أسهمت في تشكيل وعي أجيال من المثقفين العرب، وتعزيز ما يعرف بالدبلوماسية الثقافية غير الرسمية.
وأكد أن الأدب المصري يتميز بقدرته على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، واستلهام التراث في سياقات حديثة، إلى جانب دوره في دعم الصناعات الثقافية عبر تحويل النصوص الأدبية إلى أعمال سينمائية ومسرحية ومنتجات رقمية، بما يعزز قيمتها الثقافية والاقتصادية، مشددا على أن دعم الأدب كقوة ناعمة يتطلب سياسات ثقافية تشجع الترجمة والنشر الرقمي وتوسيع دوائر القراءة وربط الإبداع بالأهداف التنموية.
وجاء البحث الثاني بعنوان “الصالونات الثقافية في المجتمعات المحلية.. تحديات الواقع ونظرة مستقبلية – صالون آفاق الثقافي بأسيوط نموذجا”، قدمته سارة الليثي، التي تناولت مفهوم الصالون الثقافي بوصفه أحد أنماط المجالس التي تجمع أصحاب الاهتمامات المشتركة لمناقشة القضايا العامة، وتسهم في تشكيل الوعي الثقافي.
وأوضحت أن مسمى “الصالون الثقافي” ليس التعبير الوحيد عن هذه اللقاءات، إذ تتعدد تسمياتها بين الديوانية، والجمعية الأدبية، وبعض المجالس ذات الطابع الديني، مؤكدة أن الصالون الثقافي كمؤسسة اجتماعية وأدبية يمثل مساحة متعددة الوظائف، تجمع بين الحوار والتجمع الاجتماعي، وتوفر بيئة حاضنة للنقاش الفكري والتعبير الحر، وتمتد لتربط بين الطبقات الاجتماعية والمهن والأجيال والثقافات المختلفة.
وتطرقت الليثي إلى الدور الحيوي الذي تلعبه الصالونات الثقافية في المجتمعات المحلية، خاصة بمحافظات الصعيد، باعتبارها متنفسا ثقافيا مهما في ظل البعد الجغرافي عن الفعاليات المركزية بالقاهرة ومحافظات الوجه البحري، مستعرضة نشأة صالون “آفاق الثقافي” بأسيوط منذ تأسيسه عام 2011 وحتى الآن، إلى جانب التحديات التي تواجه استمراره، وفي مقدمتها ضعف التمويل وغياب المكان الدائم، بما يحد من قدرته على استضافة محاضرين من خارج المحافظة.
أما البحث الثالث فجاء بعنوان “الصناعات الثقافية من تعزيز الخصوصية إلى تحقيق الأمن الثقافي”، قدمه الباحث أحمد فوزي بدوي، الذي تناول الدور المحوري للصناعات الثقافية في العصر الحديث بوصفها إحدى الركائز الأساسية لتصنيف الدول وتحديد مكانتها على الخريطة العالمية.
وأوضح بدوي أن مفهوم القوة الناعمة لم يعد مقتصرا على الفنون والآداب التقليدية، بل تطور ليغدو استراتيجية شاملة تتبنى الصناعات الثقافية كأداة فاعلة في تشكيل الصورة الذهنية للدولة، وصون أمنها الثقافي، وتعزيز تنافسيتها الدولية، متطرقا إلى العلاقة بين الأدب والدراما من زاوية الخصوصية الثقافية واستشراف المستقبل، وأهمية تعزيز الشراكات الدولية لإنتاج أعمال مشتركة وفتح قنوات جديدة للتوزيع وتبادل الخبرات.
وأكد أن سياسات تنمية الصناعات الثقافية تمثل استثمارا استراتيجيا في المستقبل، يجمع بين الجذور الحضارية العميقة ورؤية اقتصاد المعرفة والإبداع، مشيرا إلى أن الزخم الراهن والاستثمار المتزايد في البنية التحتية الثقافية يضعان مصر على المسار الصحيح لتعظيم الاستفادة من هذا القطاع، رغم وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الداعم للثقافة والواقع التنفيذي، نتيجة غياب رؤية استراتيجية شاملة وتشريعات محفزة.