
كوكب الأرض بين دفتر الأحزان وكراسة العبث
بقلم : دكتور السيد مرسى الصعيدى
لو كان للسنين ذاكرة لطلبت اللجوء السياسي، ولو كان للتقويم ضمير لاعتزل المهنة واشتغل بائع مناديل عند إشارات المرور، عامٌ مضى وهو يجرّ خلفه أكياسًا ممتلئة بالأحزان، لا نعرف هل حملها وحده أم استعان بوزارة خارجية كبرى، ومجلس أمن عاجز، وخبراء استراتيجيين لا يخطئون أبدًا… إلا في كل مرة، وعامٌ أتى لا يحمل بشائر:لا تقلقوا… الحروب مستمرة، والأسعار صاعدة، والعدالة في إجازة مفتوحة.
في العام الذي مضى، تعلّمنا أن الحرب لم تعد تحتاج إلى إعلان، تبدأ فجأة مثل انقطاع الكهرباء،وتنتهي — إن انتهت — ببيان يشكر فيه الجميع أنفسهم على ضبط النفس، غزة تحترق…وأوكرانيا تُستنزف…والسودان ينزف بصمت…واليمن يشيخ قبل أوانه…وسوريا ما زالت تبحث عن كلمة «كان» في جملة اسمها الوطن، أما الضحايا، فلا يغيّرون شيئًا… لأنهم ببساطة رحلوا.
السياسة الدولية مسرح عبثي بنص واحد في هذا العالم، لم تعد السياسة فن الممكن بل فن تبرير المستحيل فالدول الكبرى ترفع شعارات حقوق الإنسان بيد، وتوقّع صفقات السلاح باليد الأخرى، ثم تصفق لنفسها باليدين معًا. الفيتو جاهز، والإدانة انتقائية، والضمير — إن وُجد — يعمل بنظام الدوام الجزئي. أما العدالة الدولية، فهي كالحافلة العامة في ساعة الذروة: تمرّ…لكن لا تتوقف عند الفقراء، والاقتصاد: الفاتورة تصل متأخرة… لكنها مضاعفة: في العام الماضي، عرف المواطن العربي أن الحرب لا تقع فقط على الجبهات، بل تقع أولًا في جيبه. الأسعار تحلّق بلا أجنحة والمرتبات تمشي على عكاز، والخبير الاقتصادي يطلب منا الترشيد وهو نفسه لا يعرف ماذا يرشّد والمواطن يحسب الشهر باليوم، واليوم بالساعة والساعة بالدعاء.
عامٌ مضى، تعلّمنا فيه أن الدماء ليست متساوية في النشرات،وأن بعض الجثث تصلح للعناوين العريضة وأخرى لا تستحق حتى شريطًا عاجلًا.الصورة تُعرض…لكن الزاوية تُختار،والكلمة تُوزن،والحقيقة تُقصّ وتُلصق حسب مزاج السياسة.
وأخيرا ……عامٌ أتى… فماذا ننتظر؟ لا ننتظر ياصديقى معجزات،ولا ننتظر صحوة ضمير عالمية.ولا ننتظر أن يتحول تجار الحروب إلى دعاة سلام.ننتظر فقط: أن يتعب القتل من نفسه – وأن تخجل الكذبة من تكرارها – وأن يتذكر الإنسان أنه إنسان عامٌ أتى…نستقبله بقلق، ونودّعه — إن بقينا — بسخرية.لأن السخرية، ليست ضحكًا فارغًا بل آخر أشكال المقاومة حين تصبح الحقيقة ثقيلة على الاحتمال.