مقالات

النقاط الساخنة: النفط المخدرات والصراع على السلطة – أين تكمن جذور الصراع بين أمريكا وفنزويلا؟

بقلم الإعلامية: شيما فتحي

قبل تنفيذ الضربة العسكرية التي أطاحت بمادورو، كانت الخلافات بين واشنطن وكاراكاس قد بلغت ذروتها. إدارة ترمب تستخدم ملف المخدرات كذريعة للتدخل في فنزويلا، تماماً كما فعلت في قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق. لكن هل ستكرر واشنطن نفس الأخطاء؟ فما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا التحرك الأمريكي؟ هل هي شرعية انتخابات مادورو لولاية ثالثة، أم الخطر النفطي، أم تهريب المخدرات، أم قضية المهاجرين؟ أم أن هناك أسباب أخرى خفية؟

“الانتخابات الفنزويلية: واشنطن تلعب لعبة الإطاحة بمادورو”

منذ تولي نيكولاس مادورو رئاسة فنزويلا عام 2013، رفضت واشنطن الاعتراف بشرعيته، وتبعتها في ذلك قسم كبير من المجتمع الدولي. فالقمع والعنف اللذين مارستهما الحكومة الفنزويلية ضد المظاهرات لم يمر دون عقاب. فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كبار المسؤولين الفنزويليين بتهمة انتهاك حقوق الإنسان، ووصفت إعادة انتخاب مادورو في 2018 بأنها “غير شرعية”، وكذلك انتخابات 2024 التي أكدت المعارضة فوزها بها. في الفترة بين 2019 و2023، اعترفت واشنطن بالمعارض خوان غويدو “رئيساً مؤقتاً”، وتبعتها نحو 60 دولة، مما دفع كاراكاس إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها. هل ستستمر واشنطن في سياستها العدائية تجاه فنزويلا، أم ستغير مسارها؟

“فنزويلا تتهم واشنطن: التدخل السافر المستمر”

في سلسلة اتهامات متبادلة، تتهم فنزويلا الولايات المتحدة بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية، حيث يتهم الرئيس مادورو واشنطن بتنفيذ سلسلة من المحاولات الانقلابية الفاشلة. في عام 2019، اتهم مادورو الولايات المتحدة بتمويل “انقلاب فاشي” بعد محاولة تمرد نفذها عسكريون، وفي 2020 وجه الرئيس الفنزويلي أصابع الاتهام إلى ترمب نفسه بقيادة “تسلل مسلح” عبر البحر، وشارك فيه جنديان أمريكيان سابقان، وهو ما نفت واشنطن أي علاقة لها به. ومؤخراً، هدد مادورو بوقف الانقلابات التي تدبرها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، بعد إعلان ترمب إقرار عمليات سرية للوكالة ضد فنزويلا. يأتي ذلك في ظل توتر مستمر بين البلدين، بينما تنفي واشنطن أي تورط لها في هذه الأنشطة.

“التهديد الأمريكي: نفط فنزويلا على المحك”

واشنطن تشن حرباً اقتصادية على فنزويلا، بهدف خنق كاراكاس وإزاحة مادورو من السلطة. في 2019، فرضت أمريكا حظراً على النفط الفنزويلي، مما يضرب ركيزة الاقتصاد الفنزويلي الهش. النفط، شريان الحياة للاقتصاد الفنزويلي، أصبح سلاحاً بيد واشنطن. قبل الحظر، كان النفط يمثل 96٪ من الدخل الوطني، وثلاثة أرباع العائدات النفطية كانت تأتي من عملاء أمريكيين. الآن تضطر فنزويلا لبيع نفطها في السوق بأرخص الأثمان، خصوصاً للصين. وواشنطن ترد بإعلان “حصار شامل” على الناقلات النفطية وتحتجز سفناً عدة. كاراكاس تندد بالتهديد الأمريكي ومادورو يتهم واشنطن بشن حرب اقتصادية. ترمب يلغي تراخيص الشركات النفطية متعددة الجنسيات في فنزويلا، ويمنح استثناء لشيفرون. الإنتاج النفطي ينهار من 3.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من مليون برميل يومياً بسبب العقوبات الأمريكية.

“مادورو مطلوب للعدالة الأمريكية: تهمة المخدرات تطارده”

في مارس 2020، وجهت واشنطن تهمة “الإرهاب المرتبط بالمخدرات” لمادورو، وعرضت 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله، المكافأة ارتفعت إلى 25 مليوناً بعد تنصيب مادورو لولاية ثالثة، ثم إلى 50 مليوناً في أغسطس. واشنطن تنشر أسطولاً حربياً في الكاريبي. وتشن ضربات ضد مهربي المخدرات، متهمة مادورو بترويج “كارتيل ديل سول” أو “كارتيل الشمس” الوهمي. مادورو ينفي، ويتهم واشنطن بالسعي للسيطرة على نفط فنزويلا.

“غضب أمريكي: بسبب الهجرة غير الشرعية”

ترمب يتهم فنزويلا بدفع مئات الآلاف من السجناء ونزلاء مستشفيات الأمراض النفسية إلى الولايات المتحدة، واشنطن تلغي حماية المهاجرين الفنزويليين وترحل الآالاف، 252 فنزويلياً يعتقلون في السلفادور بتهمة الانتماء إلى عصابة دون أدلة، ويعادون إلى كاراكاس بعد أشهر من “التعذيب”. كاراكاس تندد بالجرائم الأمريكية.

“التهمة الكاذبة: هل النفط الفنزويلي وراء مطاردة مادورو؟”

في ظل غياب الأدلة القاطعة التي تثبت تورط فنزويلا في تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، فبينما تشدد الولايات المتحدة الخناق على فنزويلا، تشير الأرقام إلى أن مشكلة “الفنتانيل” القادم من الصين تظل أكبر بكثير، ما يثير تساؤلات حول الدوافع وراء حملة واشنطن العدائية ضد مادورو. يبدو أن النفط الفنزويلي هو العامل الحاسم في استراتيجية واشنطن لإزاحة مادورو. فالرئيس الأمريكي يسعى إلى استبداله برئيس يتعاون مع أمريكا في القضايا الاقتصادية والهجرة ويعمل على خفض أسعار النفط في الولايات المتحدة، مما يفتح الباب أمام نفوذ أمريكي أكبر في المنطقة. الرئيس الأمريكي يكرس استراتيجيته الاقتصادية على الطاقة الميسورة التكلفة، يسعى بلا هوادة لتعزيز توفير الطاقة ومورادها، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في الأسواق الدولية أيضاً، وفنزويلا التي تختزن أكبر مخزون من النفط الخام، تقع في قلب هذه الاستراتيجية.