آراء وتحليلات

كلمة العدد 1451.. “معيار جديد للقوة”

يكتبها د. محمود قطامش

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اكتشف العالم بأنه لا تستطيع أي دولة أن تكون قوه عظمى اعتمادًا فقط على القوة العسكرية، بدليل هذا الانهيار والذي حدث سابقا للاتحاد السوفيتي، على الرغم من القوة العسكرية والنووية الهائلة تفكك لأنه لم يكن لديه اقتصاد قوي يستطيع الصرف على هذه القوة.

وبقى العالم تحت هذا الانطباع حتى اكتشف أن هناك معيارًا جديدًا للقوة، يقاس حسب النفوذ والقدرة على بناء أسواق ضخمة متكاملة، قادرة على المنافسة وعلى حماية مصالح شعوبها من التحديات، حيث الأمثلة الحاضرة
والتي ينطبق عليها هذا المعيار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والهند، حيث باتت هذه الدول تتحرك وفق منطق السوق الكبرى التي تتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية لتبني تكتلات اقتصادية قادرة على فرض شروطها على التجارة العالمية وتشكيل سلاسل الإمداد والتحكم بمسارات
التكنولوجيا والابتكار ………

أما نحن في عالمنا العربي، قد نمتلك موقعا جغرافيًا استراتيجيًا وثروات طبيعية هائلة وطاقات بشرية شابة رائعة، لكن لا زالت دولة عاجزة عن بناء سوق عربية موحدة متكاملة، قادرة أن تكون طرفا فاعلا في هذه المعادلة.

ولقد اثبتت التجارب، أن السياسة بلا إنسان تتحول إلى عبث وأن الاقتصاد بلا تكامل يتحول إلى تبعية، وأن إدارة الدول الوطنية، لابد أن تبتعد عن  سياسة المحاور والتبعية وأن الدعوة الآن إلى إقامة سو ق عربية واحدة، أصبحت واجبة وهي ليست من باب الرفاهية وليست حلم رومانسي أو شعار سياسي، بل هي ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة التي نعيشها وتفرضها التحولات العالمية.

فالعالم، لا يتعامل مع الدول الصغيرة، إلا من باب أنها سوقا لمنتجاته، سوقا هامشيًا أو ساحة لتصفية الحسابات السياسية، أما الدول التي تستطيع أن تبني تكتلات اقتصادية كبرى، تستطيع أن تملي شروطها، تحمي شعوبها وأن تضمن لنفسها مكانا في النظام العالمي الجديد.

لقد آن الآوان أن نقولها بصوت عال وبوضوح لايمكن أن يكون هناك مستقبل
للعالم العربي في ظل هذه التكتلات الاقتصادية الكبرى إذا ظل العالم  العربي، اسيرًا لانقساماته، فلا يمكن بناء المستقبل بالشعارات بل برؤية استراتيجية تجعل من الإنسان محورها ومن السوق العربي الكبير الموحد هدفها أنها دعوة للشجاعة وإلى تجاوز الحسابات الضيقة والعالم يتغير بسرعة ومن لم يستطع التكيف مع هذه التحولات، سيجد نفسه جامدًا ثابتًا لا يملك التأثير.

ولكم تحياتي
محمود صلاح قطامش
[email protected]
مصر تلاتين