مقالات

استوديو التحليل.. القرصنة الجديدة في البحر الأحمر: حين تتحول الممرات البحرية إلى أدوات صراع إقليمي

بقلم: د. سهام عزالدين جبريل

في عام 2008 كانت ظاهرة القرصنة البحرية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر أحد أهم اهتماماتي البحثية، حيث تصدّرت هذه الظاهرة مقدمة رسالتي البحثية لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية بجامعة القاهرة. وقد شكّل البحر الأحمر أحد المحاور الاستراتيجية الرئيسية في متن الدراسة.

وخلال السنوات الماضية، تراجعت حدّة هذه الظاهرة نسبيًا، إلا أن البحر الأحمر ظل – ولا يزال – أحد أهم مرتكزات الأمن القومي لدول الجوار الاستراتيجي، في منطقة أضحت تشهد متغيرات جديدة وتقاطعات إقليمية ودولية شديدة الخطورة.

فلم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي دولي، بل أصبح في السنوات الأخيرة ساحة مفتوحة لتقاطع الصراعات الإقليمية والدولية، حيث عادت ظاهرة القرصنة بقناع جديد، أكثر تعقيدًا، وأكثر ارتباطًا بحسابات النفوذ والسيطرة، لا بالجريمة البحرية التقليدية فقط.

فالاعتداءات المتكررة على السفن، وتهديد خطوط الملاحة، وارتفاع كلفة التأمين البحري، جميعها مؤشرات تؤكد أن ما يجري في البحر الأحمر يتجاوز كونه أحداثًا أمنية متفرقة، ليعكس تحوّلًا استراتيجيًا في استخدام البحر كوسيلة ضغط سياسي واقتصادي.

من باب المندب إلى قناة السويس: لماذا البحر الأحمر؟
تنبع خطورة البحر الأحمر من كونه:
شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية
ممرًا استراتيجيًا للطاقة
حلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط
خط دفاع مباشر عن الأمن القومي المصري والعربي
ومن يسيطر على هذا الممر، أو يهدد أمنه، لا يعرقل حركة التجارة فقط، بل يعيد رسم موازين القوة الإقليمية.

اليمن… والبحر كساحة حرب غير معلنة
كشفت التطورات المرتبطة بالساحل اليمني وباب المندب بوضوح كيف يمكن تحويل:
الهشاشة السياسية وفكرة الانفصال والتفتيت نتيجة الصراع الداخلي
إلى منصة تهديد للملاحة الدولية.

فالقرصنة هنا لم تعد عملًا فرديًا معزولًا، بل تحولت إلى أداة تفاوض ورسائل سياسية عابرة للبحار، تُستخدم للضغط، أو للرد غير المباشر، أو لفرض معادلات جديدة في الإقليم، وهو ما يجعل البحر الأحمر رهينة لتفاعلات لا علاقة لها بحرية الملاحة بقدر ما ترتبط بصراعات النفوذ الكبرى.

القرصنة الجديدة: وكلاء بلا أعلام
اللافت في المشهد الحالي أن الفاعلين لم يعودوا دولًا بالمعنى التقليدي، بل:
جماعات مسلحة،شبكات بحرية منظمة
كيانات تعمل خارج إطار القانون الدولي
غير أن الأخطر يتمثل في وجود دعم غير مباشر لهذه الكيانات، يتجلى في:
غضّ الطرف الدولي
توفير تسهيلات لوجستية
صمت سياسي محسوب
استخدام شركات وأعلام بحرية متعددة
وهو ما يسمح لبعض القوى بإدارة الصراع من الخلف دون تحمّل المسؤولية القانونية المباشرة.

وهذا ينصرف أيضا على الجانب المقابل فى الصومال:
حيث تعاظم حركات الانفصال والتفتيت الإقليم مما ينذر بعودة محتملة لتهديد قديم تتصاعد حدته
وبرغم التراجع السابق لحدة القرصنة الصومالية السابقة ، فإن:
هشاشة الدولة
ضعف الرقابة البحرية
تداخل الاقتصاد غير المشروع
كلها عوامل تجعل من الساحل الصومالي خزانًا جاهزًا ومتاحا لإعادة تفعيل القرصنة كلما احتاجت أطراف إقليمية إلى ورقة ضغط في البحر الأحمر وخليج عدن والصومال.

مما يهدد استقرار وأمن دول المنطقة
وفى حسابات التداعيات على الأمن القومي المصري
تمثل أي حالة فوضى في البحر الأحمر تهديدًا مباشرًا لـ:
قناة السويس
حركة التجارة المصرية
أمن الطاقة
الاستقرار الإقليمي
كما أن تدويل أمن البحر الأحمر، تحت ذريعة حماية الملاحة الدولية، قد يفتح الباب أمام:

وجود عسكري أجنبي دائم
تقليص الدور الإقليمي للدول المطلة
إعادة هندسة منظومة الأمن البحري بعيدًا عن مصالح دول المنطقة
ازدواجية المعايير الدولية
يتجلى التناقض الدولي بوضوح في:

سرعة التحرك حين تُمس مصالح قوى كبرى
الصمت أو التباطؤ حين تتضرر دول الإقليم
وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا:
هل يُدار أمن البحر الأحمر وفق قواعد القانون الدولي، أم وفق ميزان المصالح والمتغيرات الاقليمية والدولية ؟

ومن خلال متابعتي الدراسية والبحثية لهذه الظاهرة، أرى أن ما يحدث في البحر الأحمر ليس أزمة عابرة، بل ملامح مرحلة جديدة من الصراع البحري، تُستخدم فيها القرصنة بصيغ حديثة كأداة ضغط، ووسيلة لإدارة الصراعات، واختبار لقدرة الدول الإقليمية وتهديد لاستقرارها وتماسكها وحماية أمنها الجماعي.

إن ترك البحر الأحمر ساحة مفتوحة للفوضى لن يهدد الملاحة الدولية فحسب، بل سيعيد تشكيل خريطة الأمن الإقليمي بالكامل.

خالص تحياتي،
د. سهام عزالدين جبريل