
القانون الدولي في مهبّ الريح
بقلم : دكتور السيد مرسى الصعيدى
يبدو أن العالم قد استيقظ ذات صباح ليكتشف أن القانون الدولي ليس سوى كراسة واجبات قديمة، نسيها التلميذ الأشقر دونالد ترامب في درج المكتب البيضاوي، والذى عاد بعد سنوات ليستخدمها «مفرش طاولة» يضع عليه أقدامه وهو يفكّر بصوت عالٍ: لماذا لا أعتقل مادورو؟ ولماذا لا أتجاهل محكمة العدل الدولية؟ ولماذا لا أطالب بجزيرة…أي جزيرة؟ ما دام البحر مفتوحًا! هكذا، وببساطة لاعب الاستغماية الذي قرر فجأة أن يلغي القواعد لأنه لا يحب الخسارة، صار ترامب يتعامل مع القانون الدولي باعتباره اقتراحًا غير ملزم، مثل قائمة الطعام في مطعم فاخر: تختار منها ما تشاء، وتلقي بالباقي في وجه النادل، محكمة العدل الدولية؟
آه نعم… تلك السيدة الوقورة التي ترتدي نظارة سميكة، وتصدر أحكامًا مكتوبة بلغة قانونية رصينة، لا يفهمها إلا القضاة وطلاب السنة الأولى حقوق، ترامب نظر إليها نظرة سريعة وقال في سرّه:
مين دي؟ ثم مضى في طريقه، لا يلتفت إلى أحكامها، ولا يعير اهتمامًا لقراراتها، خاصة حين تتعلق بإسرائيل أو بنتنياهو، فهنا تتحول العدالة الدولية إلى زرّ كتم الصوت، أما مادورو، فالقصة معه أبسط: رئيس دولة لا يعجب المزاج الأمريكي؟ والطريف والمبكى قرر أن يضعه في خانة المطلوبين، وكأننا نلعب (كونكان) سياسيًا على طاولة الأمم المتحدة، حيث تُخلط الأوراق، وتُوزَّع التهم، والفائز دائمًا صاحب العصا الغليظة.
ترامب لا يكتفي بالاعتقال والتجاهل، بل قرر الاستيلاء على جزيرة! ؟ نعم جزيرة.فالعالم، في نظره، يشبه لعبة مونوبولي ( بنك الحظ) هذه محطة، وتلك شركة كهرباء، وتلك دولة صغيرة يمكن شراؤها أو احتلالها أو التغريد عنها في الثالثة فجرًا، وهنا ندرك أن الفوضى لم تعد استثناءً، بل صارت نظامًا عالميًا جديدًا.قانون الغاب لم يعد يختبئ في الأدغال، بل يرتدي بدلة زرقاء وربطة عنق حمراء، ويعقد مؤتمرات صحفية، ويتحدث عن الديمقراطية وهو يدوسها بحذائه اللامع وهو يرقص ، فالعالم اليوم لا يعيش أزمة قانون دولي، بل يعيش نوبة سخرية كونية، حيث تُعاقَب الدول الضعيفة باسم العدالة، وتُكافَأ الدول المدللة باسم المصالح، وتُنسى القرارات الدولية في الأدراج، إلا إذا كانت ضد طرف بلا ظهر، إننا لا نحتاج إلى ميثاق جديد للأمم المتحدة، بل نحتاج إلى دفتر حضور وانصراف نعرف فيه من يحترم القانون، ومن يتعامل معه على أنه ديكور حائط.
وأخيرا… لا تسأل :لماذا تلاعب ترامب بالقانون الدولي؟ و من الذي سمح للعالم أن يتحول إلى مسرح عرائس، والخيوط كلها في يد واحدة؟ أما الإجابة… فمؤجلة، مثل كل أحكام العدالة الدولية، إلى إشعار آخر.