
وزير الأوقاف: المؤتمر ينطلق من رؤية حضارية شاملة ترى في المهنة جسرًا بين الإيمان والعمل والعلم والأخلاق والهوية والتنمية
هناء السيد
افتتح الدكتور أسامة الأزهري – وزير الأوقاف، فعاليات المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية برعاية كريمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية (حفظه الله)، وبإنابة كريمة عن الدكتور المهندس مصطفى مدبولي – رئيس مجلس الوزراء، والذي يُعقد في الفترة من ١٩ حتى ٢٠ من يناير بالقاهرة، بعنوان : “المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي”، بحضور فضيلةَ الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني – وكيل الأزهر الشريف – نائبًا عن فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، وفضيلةَ الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد – مفتي الديار المصرية، ومعالي الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة – رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين الشقيقة، ومعالي الأستاذ الدكتور محمد الخلايلة – وزير الأوقاف والمقدسات الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، ومعالي الدكتور محمد بن سعيد المعملي – وزير الأوقاف والشئون الدينية في سلطنة عمان الشقيقة، وصاحبَ المقام الرفيع الدكتور محمود صدقي الهباش – قاضي القضاة ومستشار الرئيس للشئون الدينية في فلسطين الشقيقة، وجمع غفير من أصحاب الفضيلة المشاركون بالمؤتمر.
وفي بداية كلمته وجه وزير الأوقاف الشكر لسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي – رئيس الجمهورية (يحفظه الله) على رعايته الكريمة والسامية للمؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
ورحب الوزير بضيوف مصر الكرام من أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة السادة الوزراء والعلماء والسفراء، معلنًا انطلاق المؤتمر الدولي الخامس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في رحاب قاهرة المعز وبرعاية كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية (حفظه الله)، وبتشريف وحضور كريم من السادة ضيوف مصر جميعًا، ناقلًا تحيات معالي الدكتور المهندس مصطفى مدبولي – رئيس مجلس الوزراء الموقر الذي شرُف وزير الأوقاف بالإنابة عن سيادته في افتتاح هذا المؤتمر، وفي نقل ترحيبه الحار وخالص دعمه وأمنياته لهذا المؤتمر بالنجاح والتوفيق.
وأكد الوزير أن هناك الكثير والكثير من المهن التي وُجدت في الزمان النبوي الشريف، فصارت تلك المهن وأخلاقها وآدابها جزءًا لا يتجزأ من دينه وهديه وشرعه صلى الله عليه وسلم، حتى وُجد في زمنه الشريف المعلم كأبي سعيد الخدري، والمترجم كزيد بن ثابت، والطبيبة كالصديقة عائشة، وموثق الشهر العقاري كالعلاء بن عقبة والحسين بنير ومغيرة بن شعبة، والوزير كسيدنا جُبير بن سهيل السلمي، والسفير كسيدنا دِحية بن خليفة الكلبي، والبواب كسيدنا رباح الأسود وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك، والبناء كعمار بن ياسر وطلق بن علي التميمي، ورجل الأعمال أو الاقتصادي كسيدنا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، والنقيب وأول نقيبة في الإسلام أسماء بنت يزيد بن السكن وأوس بن الأنصاري، ووجد الحداد كأبي سيف القينِي، والخواص كسلمان الفارسي، والطباخ كأبي عبيدة، والقاضي وشرطة الإنقاذ النهري كسيدنا سفينة رضي الله عنهم أجمعين، إلى غير ذلك من عجائب المهن والحرف والصنائع التي تكشف لنا عن جانب مهجور من هدي النبوة.
فكم زكّى صلى الله عليه وسلم هؤلاء، وأرشدهم إلى آداب مهنهم وأخلاقها وممارستها بمنتهى الصدق والأمانة والإتقان، تحقيقًا لنفع الناس؛ نفعِ الناس الذي قال الله تعالى فيه: “وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ”.
فأشار سبحانه في هذا القول المعجز إلى عشرات المهن التي تدور في فلك ذلك، إذ الفلك والسفن تجري بما ينفع الناس، فتنشأ الموانئ وفيها عشرات الأعمال والمهن، وتنشأ خطوط التجارة والملاحة العالمية وفيها عشرات المهن، وتنشأ خطوط التعبئة والتفريغ وفيها عشرات المهن، وتنشأ المحاصيل والزراعات والصناعات والسلع التي تجري بها الفلك وفيها عشرات المهن، وتنشأ المآكل والمشارب التي تخدم أرباب تلك المهن فتولد أيضًا عشرات المهن.
فأي عمران هذا؟ وأي رواج للأرزاق هذا؟ وأي فتح للبيوت ونفع للناس هذا؟ ترى أيقل هذا أهميةً عن أداء فرائض الصلوات والزكاة والحج؟ أليس الكل من مشكاة واحدة، وأوامر رب واحد؟
موضحًا أنه لو لم ينزل من القرآن العظيم للناس سوى هذه الآية لكفتهم ووسعتهم، فكيف ببقية ما ورد في القرآن من التعقل والتدبر والهمة والسير في الأرض وتدبر آيات الفلك والبحار، نظير ما قال الإمام الشافعي يومًا: لو لم ينزل للناس حجة على الخلق إلا هذه السورة لكفتهم، يريد سورة العصر، وقال: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.
فتولدت من أنوار الشريعة بين أيدينا كلمات مباركة كسلاسل الذهب: وهي العمران، وهو ثلث الدين، والمهن والحرف والصناعات، وأخلاق تلك المهن حتى تنتج المؤسسات التي تنظم تلك المهن، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، نفع الناس، وإنه أحب وأرجى ما يتخلق به العبد عند الله.
مؤكدًا أن هذه الكلمات من جواهر الشريعة، حتى تتلى بجوارها كلمات الإتقان والإحسان والأمانة والإبداع والابتكار، والعلوم والمعاهد البحثية والجامعات والمخترعات؟ أليس هذا من جوهر الدين؟ أليست هذه الكلمات من عين الشريعة كالصلاة والزكاة والصدق والبر والعفاف والصلة؟
وإني لأتعجب كيف غاب هذا عنا، وغرقنا في ظلمات الإرهاب والعنف والقتل والتكفير والخراب والدمار، وتقديم الشرع الشريف للعالمين في أقبح صورة، مما تغيب معه أنواره الباهرة التي ذكرناها من العمران ونفع الناس، مع العبادة والذكر والسير إلى الله.
وبهذا يتحقق ما نؤمن به جميعًا: أن مضمون الشرع الشريف محاربة الفقر ومعاداته، فالفقر أعدى أعدائنا، ولا علاج له سوى العمران والحرف والمهن.
وبهذا يتحقق ما نؤمن به جميعًا أن مقصود الشرع الشريف تحقيق الغنى، وأن الخطاب الديني الحق ينادي بصناعة الغنى والكفاية والرخاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس”.
ولقد نهض السادة الأعلام لجمع المؤلفات في رصد جانب العمران في الهدي النبوي، فألف الإمام أبو الحسن علي بن ذي الوزارتين محمد بن مسعود الخزاعي التِّرمي كتابه العظيم الفريد «تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية»، فتتبع المهن في الزمان النبوي ليكشف لنا عن حجم عنايته صلى الله عليه وسلم بالحرف والمهن في زمانه، وطبعناه لدينا هنا في وزارة الأوقاف في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية إيمانًا منا بعظم أهميته وجزيل فائدته.
ثم جاء شيخنا العالم الأزهري الأصيل المظلوم الشيخ رفاعة الطهطاوي، فألف كتابه «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز صلى الله عليه وسلم»، فأفرد فصلًا عظيمًا يبلغ نحو ربع كتابه للحرف والمهن في الزمان النبوي.
ثم جاء شيخ مشايخنا العلامة السيد محمد عبد الحي الكتاني، فتتبع ذلك واستوعب وأضاف لكتاب الخزاعي نحو ضعفي مادته العلمية، فأخرج جمهرته وموسوعته العظيمة «التراتيب الإدارية في نظام الحكومة النبوية»، فأحصى هؤلاء الأعلام ما يزيد على مائتي مهنة وحرفة وصنعة في الزمان النبوي الشريف، كلها جرت على عينه صلى الله عليه وسلم، وفي رعايته وبتوجيهه، تحقيقًا لذلك المقصود الأعظم من مقاصد الشرع وغايات الوحي، والذي هو مقصد العمران.
ثم جاء فخر علماء مصر وقاضي القضاة وشيخ الإسلام الإمام المجدد المجتهد تاج الدين السبكي قبل نحو سبعة قرون، ليؤلف كتابه العظيم «معيد النعم ومبيد النقم»، الذي أحصى فيه 113 مهنة ووظيفة وحرفة وصنعة تُبنى بها الدول والمجتمعات، مع آدابها وأخلاقها، حتى إن المستشرق – الذي أذكره لأول مرة – يقول: إن هذا الكتاب أول كتاب مدون في علم نفس المهنة أو سيكولوجية المهن.
إن العمران عريق في هذا الدين، بل هو ثلث الدين، وأحد أجل مقاصده، لا يقل أهمية عن الصلوات وغيرها من الفرائض، فإن الله تعالى كما أمر بالصلاة أمر بالعمران، ولن تستقيم لنا العبادات والشعائر في حال الفقر والمرض والتخلف.
أخلاقياتها وأثرها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، بوصفها أحدية المؤسسة للعمران الإنساني، وبوصفها ركيزة أساسية في مشروع تجديد الخطاب الديني ضمن المحور الرابع لاستراتيجية وزارة الأوقاف، والذي هو صناعة الحضارة.
فالمؤتمر لا ينطلق من مبحث تراثي أو اقتصادي بحت، بل من رؤية حضارية شاملة ترى في المهنة جسرًا بين الإيمان والعمل والعلم والأخلاق والهوية والتنمية.
واليوم إذ يقف العالم على أعتاب ثورة رقمية فائقة السرعة والأهمية والخطورة، يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح العمل، وتبدل مفاهيم الإنتاج والمهارة، وتتأكد الحاجة إلى قراءة الماضي بعمق، وفهم الحاضر ببصيرة، واستشراف المستقبل برؤية تستلهم قيم الشرع الشريف، ومن أدوات العصر قوتها، لنقيم توازنًا بين الإنسان والآلة، والأخلاق والتقنية، والروح والمادة.
ومن هذا المؤتمر، ومن هذا المنطلق، ينعقد هذا المؤتمر ليقدم رؤية فكرية وميدانية متكاملة تعيد وصل ما انقطع بين القيمة والعمل، وإننا لنطمح في بلورة كل هذه المعاني في نقاط محددة ودقيقة في وثيقة سميناها «وثيقة القاهرة للمهن والعمران»، وسوف نطلقها ونقرأها في الجلسة الختامية، ونتطلع إلى توافق العلماء الحضور على مضمونها وتوقيعهم عليها، ثم نرسلها إلى بقية العالم الإسلامي لمزيد من التوافق على مضمونها الذي شرحناه فيما سبق، ثم ننقلها بالتنسيق مع بقية مؤسسات الدولة المصرية إلى الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو، لنقدم للعالم من مصر، من وزارة الأوقاف المصرية، خطابًا نرجو أن يكون ملهمًا ومفيدًا للإنسان، يعظم قيمة العمران والمهن، ويدفع إلى
محاربة الفقر وتعظيم الرخاء، ويدفع إلى الله جل جلاله على بصيرة.
إن مصر كانت وستظل مؤتمنة على علوم الشرع الشريف، تنير الدنيا بأنواره، وتلهم العالم بعلومه، وتواجه به التحديات، وتنير به الطريق.
في كلمته بالمؤتمر الدولي السادس والثلاثين
وكيل الأزهر الشريف: المؤتمر يعكس وعي الدولة المصرية بأهمية ترسيخ مكانة المهن في الإسلام بوصفها قيمة حضارية وأخلاقية أصيلة
ألقى فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الضويني – وكيل الأزهر الشريف، كلمة خلال فعاليات المؤتمر الدولي «المهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، الذي نظمته وزارة الأوقاف المصرية برعاية كريمة من فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري – وزير الأوقاف، نائبًا عن دولة رئيس مجلس الوزراء، وفضيلة الأستاذ الدكتور أحمد نبوي مخلوف – الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى جانب كوكبة من العلماء والمفكرين والباحثين من داخل مصر وخارجها.
ونقل وكيل الأزهر الشريف في مستهل كلمته تحيات فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، متمنيًا للمؤتمر التوفيق والسداد، ومؤكدًا تقدير الأزهر للجهود التي تبذلها وزارة الأوقاف في طرح القضايا الفكرية الكبرى التي تمس واقع الإنسان ومستقبله، وعلى رأسها قضية المهن وأخلاقياتها في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وأكد أن هذا المؤتمر يعكس وعي الدولة المصرية بأهمية ترسيخ مكانة المهن في الإسلام بوصفها قيمة حضارية وأخلاقية أصيلة، تسهم في البناء والعمران، وتؤكد دور العمل في نهضة المجتمعات، مشيرة إلى أن الإسلام قدّم رؤية متوازنة تجمع بين عمارة المساجد وعمارة الأرض، وبين تزكية النفوس وبناء الحضارة، في إطار متكامل يحفظ للإنسان كرامته ودوره الاستخلافي.
وأوضح أن القرآن الكريم عرض نماذج متعددة للحرف والصنائع، من البناء والتشييد على يد سيدنا إبراهيم عليه السلام، إلى صناعة الدروع في قصة داود عليه السلام، وبناء السفن في قصة نوح عليه السلام، وبناء السدود على يد ذي القرنين، بما يؤكد الصلة الوثيقة بين المهن وصيانة الدين وصناعة الحضارة، وأن العمل المنتج كان ولا يزال ركيزة أساسية في مسيرة الإنسان الحضارية.
وتناول الموقف النبوي الشريف في معالجة قضايا الفقر والبطالة، مستشهدًا بقصة الرجل الأنصاري الذي وجّهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى العمل والكسب الشريف، مؤكدة أن الإسلام لا يكتفي بالدعوة إلى العمل، بل يرسخ ثقافة الاعتماد على الذات، وصيانة النفس من ذل السؤال، وربط الكسب بالقيم الأخلاقية من أمانة وإتقان ومسؤولية.
وبيّن وكيل الأزهر الشريف أن المهن في التصور الإسلامي تتجاوز حدود التكسب والاسترزاق، لتصبح مجالًا لتجسيد القيم الإيمانية والأخلاقية، وأن كرامة الإنسان تُقاس بما يقدمه من نفع للناس، وأن البطالة والكسل يمثلان عبئًا على الفرد والمجتمع، في حين يشكل العمل الصالح أساس الرقي الحضاري.
وفيما يتعلق بمستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي، شدد على ضرورة تحقيق التوازن بين التقدم التقني والثوابت الأخلاقية، وبين التطور العلمي وكرامة الإنسان، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة لخدمة الإنسان لا بديلاً عنه، ووسيلة تعين على الإتقان لا تُغني عن الضمير، وأن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على “أنسنة” المهن في ظل هيمنة الآلة.
وأكد فضيلته أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من دقة وسرعة، يفتقد الضمير والمسؤولية الأخلاقية، وهي جوهر المهن في الإسلام، محذرًا من أن غياب الرقابة القيمية قد يحول التقنية من وسيلة للبناء إلى أداة للإقصاء أو الاستغلال، ومشددًا على أهمية وضع أطر أخلاقية وقانونية تضبط هذا التحول وتحفظ حقوق العاملين.
واختتم كلمته بالدعوة إلى تعاون العلماء والباحثين والمتخصصين لوضع خارطة طريق متكاملة تضمن توظيف الذكاء الاصطناعي توظيفًا رشيدًا يخدم الإنسان، ويحقق مقاصد الشريعة في عمارة الكون، ويقدم نموذجًا حضاريًا متوازنًا يجمع بين التقدم التكنولوجي والالتزام المهني والأخلاقي، مؤكدًا أن هذا المؤتمر يمثل لبنة مهمة في البناء الحضاري للأمتين العربية والإسلامية، وخطوة جادة نحو مستقبل مهني أكثر عدالة وإنسانية.
كلمة فضيلة المفتي
في كلمته بالمؤتمر الدولي السادس والثلاثين: مفتي الجمهورية يؤكد ضرورة ربط تطور المهن بالقيم الأخلاقية في عصر الذكاء الاصطناعي
مفتي الجمهورية يؤكد أن استشراف مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكتمل إلا بالقيم الأخلاقية والإنسانية
مفتي الجمهورية يؤكد أن التكنولوجيا أدوات وليست غايات والإنسان هو محور المهن وكرامته أولوية
مفتي الجمهورية يؤكد أن المهن في الإسلام ركيزة للتنمية المستدامة وعمارة الأرض في العصر الرقمي
أكد الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية، رئيس الأمانة العامة لهيئات الإفتاء في العالم، في كلمته خلال المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن استشراف مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يقوم على ربط التطور التقني بالمقاصد الإنسانية والقيم الأخلاقية، بما يضمن بقاء الإنسان محور العملية المهنية وغايتها الأساسية.
وعُقد المؤتمر بالقاهرة تحت عنوان: «المهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، وبرعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بمشاركة نخبة من العلماء والمسئولين.
وأكد الدكتور نظير عياد أن المؤتمر يمثل تتويجًا للدور الذي تضطلع به وزارة الأوقاف في تعزيز الوعي المجتمعي وإبراز جهود الدولة المصرية في بناء الإنسان وصناعة الحضارة.
وأوضح مفتي الجمهورية أن الواقع المهني يشهد تحولات متسارعة في ضوء الطفرة التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذا التطور يفرض ضرورة إعادة تأكيد البعد القيمي والأخلاقي للمهن، حتى لا تنفصل الوسائل عن غاياتها الإنسانية، وأن استشراف مستقبل المهن لا يمكن أن يكون بمعزل عن الأخلاق والتشريع الرشيد والوعي الإنساني الحي.
وأشار إلى أن إعداد الكوادر المهنية يجب أن يقوم على التمكين المعرفي والتقني، إلى جانب التهذيب الأخلاقي والسلوكي، بما يضمن أن تظل المهن أداة للبناء والتنمية، لا وسيلة للإضرار بالكرامة الإنسانية أو تهميش الإنسان.
وأكد أن المهن في التصور الإسلامي كانت ولا تزال وسيلة لعمارة الأرض، وأن العمل المهني كان من وظائف الأنبياء عليهم السلام، وشكّل عبر العصور أساسًا لتشييد العمارة الإنسانية وبناء الحضارة.
كما تناول الدور الحضاري للمهن في بناء الحضارة الإسلامية، مشيرًا إلى أنها أسهمت في تحقيق التنمية المستدامة والتوازن بين العمارة المادية والحضارة القيمية، من خلال تشييد المدن وبناء القلاع والحصون وشق قنوات المياه وإنشاء الأسواق، إلى جانب إسهامات المهن العلمية مثل الطب والهندسة والصيدلة، فضلاً عن المهن الإدارية والتنظيمية التي نظمت شئون الدولة وأسهمت في نقل العلوم والمعارف.
وأكد مفتي الجمهورية أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أثار مخاوف بشأن مستقبل بعض المهن، مشددًا على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في القيم التي تُدار بها، وأن الذكاء الاصطناعي يظل أداة ينبغي توجيهها لتحقيق النفع للبلاد والعباد في إطار أخلاقي منضبط.
واختُتمت أعمال الجلسة بمواصلة مناقشات المؤتمر حول محاور المهن وأخلاقياتها ومستقبلها، تمهيدًا للخروج بتوصيات تسهم في تعزيز الوعي المهني القيمي في العصر الرقمي.
في كلمته بالمؤتمر الدولي السادس والثلاثين:
رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين: أن العمل في الإسلام رسالة حضارية وأخلاقية في عصر الذكاء الاصطناعي
أكد الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة – رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين، أن العمل وعمارة الأرض يمثلان رسالة إنسانية سامية في التصور الإسلامي، تقوم على الجمع بين الإتقان المهني والالتزام الأخلاقي، مشددًا على أن المهن ليست مجرد وسيلة للكسب، وإنما قيمة حضارية ومسؤولية أخلاقية تسهم في بناء المجتمعات واستقرار الأوطان.
جاء ذلك في كلمته خلال المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذي عُقد بالقاهرة تحت عنوان: «المهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، وبرعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وبمشاركة نخبة من العلماء والمسئولين من مختلف دول العالم.
ونقل الشيخ عبد الرحمن بن محمد آل خليفة تحيات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، وتحيات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد – رئيس مجلس الوزراء، وتمنياتهما الصادقة بنجاح المؤتمر، وبمزيد من التقدم والازدهار لجمهورية مصر العربية الشقيقة.
وأعرب عن تقديره لوزارة الأوقاف المصرية على تنظيم المؤتمر، مثمنًا دعوة الأستاذ الدكتور أسامة السيد الأزهري، وزير الأوقاف، وما لقيه الوفد البحريني من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، مؤكدًا أن هذا المؤتمر يعكس جهودًا جادة للتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وربط النص الشرعي ومقاصده بقضايا الواقع وتحدياته المتسارعة.
وأوضح أن الإسلام أولى العمل عناية بالغة، وربط بينه وبين الإيمان، وجعل الإتقان معيارًا، والأمانة أساسًا، مشيرًا إلى أن الحضارة الإسلامية قدمت عبر تاريخها نموذجًا متكاملًا للمهن، يجمع بين الكفاءة المهنية والالتزام القيمي، بحيث تكون المهنة رسالة، والعلم أمانة، والإنجاز وسيلة لخدمة الإنسان وصون كرامته.
وتناول التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، مبينًا أن هذه التحولات تفرض ضرورة التعامل معها برؤية متوازنة، تستفيد من منجزات العصر، مع الحفاظ على الثوابت الدينية والأخلاقية، مؤكدًا أن مواكبة التطور لم تعد خيارًا، بل ضرورة لتحقيق التقدم، شريطة أن تقوم على التوظيف الرشيد للتكنولوجيا بما يخدم الإنسان ويحقق العدالة الاجتماعية ويحفظ الكرامة الإنسانية.
وأشار إلى أن أهمية المؤتمر تنبع من سعيه إلى دراسة المهن في الإسلام دراسة شاملة تراعي الأبعاد الشرعية والأخلاقية والاقتصادية والإنسانية، وتستشرف مستقبلها في ظل التطورات التقنية المتلاحقة، بما يرسخ رؤية إسلامية متوازنة تؤكد صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وقدرته على الإسهام في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا وتقدمًا للبشرية.
واختتم كلمته بالتأكيد على تقديره للجهود العلمية والتنظيمية المبذولة في المؤتمر، معربًا عن أمله في أن تسهم مخرجاته في بناء وعي مهني قيمي، ودعم مسيرة التنمية، وتعزيز التعاون بين الدول والمؤسسات المعنية بخدمة الإنسان وصناعة الحضارة.
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف بجيبوتي يؤكد: الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الإتقان وخدمة القيم الإنسانية
أكد الدكتور مؤمن حسن بري – وزير الشئون الإسلامية والأوقاف بجمهورية جيبوتي، أن الإسلام نظر إلى العمل نظرة تكريم وتشريف، وربطه ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة والأخلاق والمسئولية الاجتماعية، مشيرًا إلى أن المهنة في الإسلام ليست فعلًا مجردًا، بل أمانة ورسالة وعبادة إذا اقترنت بالإخلاص والإتقان.
وأوضح وزير الشئون الإسلامية والأوقاف، خلال كلمته، أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإتقان معيارًا أخلاقيًّا جامعًا، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ»، وبقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾، بما يعكس مركزية قيمة العمل في المنظور الإسلامي.
وأشار معاليه إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح في عالمنا المعاصر عنصرًا مؤثرًا في طبيعة الممارسة المهنية، وأسهم في تطوير أساليب العمل ورفع مستويات الكفاءة في مختلف المجالات، مؤكدًا أهمية التعامل الواعي مع هذه التقنيات الحديثة.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يُعد نتاجًا تقنيًّا جديدًا يمكن توظيفه والاستفادة منه دون تخوف، شريطة التعلم الجاد له، وبناء القدرات المؤسسية، وتكليف جهات مختصة داخل الوزارات والمؤسسات تُعنى بهذا المجال، بما يضمن توجيه هذه التقنيات لخدمة المجتمعات، وعدم تحولها إلى أداة تُستخدم ضد الإنسان.
واختتم الدكتور مؤمن حسن بري كلمته بالتأكيد على ضرورة تسخير التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، لخدمة الأمة الإسلامية، وتعزيز القيم الأخلاقية، وترسيخ الإتقان في العمل، بما يحقق الصالح العام.